الثلاثاء، 29 سبتمبر 2015

مشروع قانون الإنتخابات بين المزايا الشكلية والشبهات الدستورية!

مشروع قانون الإنتخابات بين المزايا الشكلية والشبهات الدستورية!
د.ماجد توهان الزبيدي*
قدمت الحكومة الحالية مشروع قانون الإنتخابات النيابية لعام 2015م لمجلس النواب  لمناقشته والتصويت عليه،وتعرض –ومايزال- لمناقشات شعبية من خلال تعليقات في وسائل الإعلام والإتصال وندوات ومحاضرات ماتزال تُترى وتتواتر،في زخم من الحراك والكثافة غير مسبوقين مقارنة مع أي مشروع مماثل في السابق،خاصة القانون الحالي أو قانون الصوت الواحد الذي ترفضه قطاعات واسعة من شرائح المجتمع الأردني،ولم ينتج حياة تشريعية وحزبية تكون على مستوى التطلعات والتحديات،كما يرى كثيرون !
ثمة مميزات "شكلية"حفل بها المشروع ،من اولاها :أنه أعطى للمحافظة قيمة في التصويت ،وثانيها إعتماده القائمة النسبية المغلقة،على صعيد كل محافظة،مما يعيد بعض بريق قانون الإنتخابات في العام 1989م،وثالثها أنه غلظ من العقوبات على من يستخدم المال السياسي والرشى والتزوير أثناء العملية الإنتخابية ،مع أن العبرة دوما لاتكمن في التغليظ بل في الملاحقة الجنائية وتاليا المحاكمة أو تنفيذ العقوبات !ورابعها أن الحكومة قدمت المشروع قبل حوالي السنة من إستحقاق تلك الإنتخابات النيابية مما يعطيه الفرصة لإنضاج المناقشات والحراك المجتمعي بشأنه!!ورابعها: ان المشروع يومىء بتطور متوقع في نظرة  السلطة التنفيذية للنهوض بالوطن سياسيا وتشريعيا في وقت تعيش فيه أقطار عربية مجاورة حالة من الإحتراب والحروب المدمرة غير المسبوقة في التاريخ البشري  لدمويتها وفظاعتها وأكلها للحرث والنسل ،وبالتالي بداية  إستماع جدي من تلك السلطة لمطالب اغلبية المجتمع لتطوير العملية الإنتخابية والتشريعية للنهوض بالوطن :برلمانيا وبلديات وأحزابا ولامركزية!!
لكن المراقب الحصيف لنص المشروع يرى سلبيات تكاد أن ترقى لشبهات دستورية أو هي كذلك  تقلل من فرص موافقة القوى التمثيلية الشعبية للمجتمع ،حتى وإن وافق عليه مجلس الأمة بغرفتيه أو جناحيه:النواب والأعيان ،عند إجتماعهما المشترك للتصويت العلني بالأكثرية!ذلك ان بعض الأمور التشريعية المصيرية للشعب والوطن كقانون الإنتخابات النيابية قد لايكفي لشرعيته موافقة ممثلي الأمة المنتخبين في مجلس النواب عليه بل قد يحتاج لنجاحه ولما هو متوقع منه أن توافق عليه مؤسسات شعبية أخرى أكثر ثمثيلا للفئات المهنية في المجتمع كالنقابات والأحزاب والمؤسسات الشعبية الأخرى!!أو في أكثر الأحوال ديمقراطية ،اللجوء لإستفتاء شعبي !
من أولى السلبيات او الشبهات التي يراها الكاتب :الكوتا لفئات عرقية ودينية ونوعية(الجندر/المرأة) وشكلية(البدو)!إذ بعد مايقرب من القرن من عمر الدولة المديد بعون الله لايُعقل ان يبقى عليه الحال كما كان منذ المجلس التشريعي الأول عام 1928م عام إقرار "القانون الأساسي"أو :الدستور الأول في "إمارة شرق الأردن" و"الذي أُستمدت معظم نصوصه من المعاهدة الأردنية البريطامية "في العام ذاته! و"عندما حدد القانون دور المجلس التشريعي (البرلمان)بالدور الشكلي ،ليس من حقه الرقابة على اعمال السلطة التنفيذية،ولا يستط
يع محاسبتها او طرح الثقة بها ،وليس من حقه إقتراح القوانين "،وإعتبار الوزراء أعضاء فيه،وكان (البرلمان)مؤلفا من 16  نائبا منتخبا ،ونائبين من بدو الجنوب والشمال يعينهما امير البلاد، ومن رئيس الوزراء واعضاء مجلس الوزراء وعددهم 6 ،ولهم حق التصويت  ويرأس  رئيس الوزراء غير المنتخب كل إجتماعات المجلس التشريعي ( البرلمان)الذي عقد دورته الإستثنائية الأولى  بتاريخ 2 نيسان /إبريل 1929م!
   كان عدد السكان 220 ألف نسمة في بداية تأسيس الدولة/الإمارة!عندما كانت البداوة والأمية والفقر هي السمات البادية على مجتمعنا!وكان عدد المدارس في كل انحاء الوطن 44 مدرسة!
وعلى الرغم من صعوبة الحياة في فترة ولادة الدولة ،فقد أظهر الشعب العربي الأردني من خلال قواه المؤطرة قدرة عالية من الوعي السياسي والتشريعي والوطني والعروبي والوحدة ،تمثل ذلك في عقد 150 شخصية وطنية أردنية من كل فئات المجتمع،من حدود الرمثا إلى حدود العقية، ل"المؤتمر الوطني الأول" في "مقهى حمدان"بوسط العاصمة عمان بتاريخ 25 تموز/يوليو عام 1928م ،ردا على المعاهدة التي فرضتها بريطانيا على الوطن ،ونتج عنه "الميثاق الوطني العام"الذي نص –ضمن نصوص أخرى- على " إمارة شرق الأردندولة عربية مستقلة ذات سيادة بحدودها الطبيعية المعروفة ،تُدار بحكومة دستورية مستقلة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير عبدجالله بن الحسين المعظم واعقابه  من بعده"و"عدم الإعتراف بمبدا الإنتداب(البريطاني على الأردن)إلأ كمساعدة فنية لمصلحة البلاد،وعلى ان تُحدد هذه المساعدة بموجب اتفاق ام معاهدة تُعقد بين شرقي الأردن وبريطانيا على أساس الحقوق المتقابلة والمنافع المتبادلة دون ان يمس ذلك بالسيادة القومية"و"إعتبار وعد بلفور القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود بفلسطين مثخالفا لعهود بريطانيا ووعودها الرسمية للعرب وتصرفا مُضادا للشرائع الدينية والمدنية في العالم"!(تمعن يارعاك الله في الفكر الوطني والقومي الراقي لدى الأردنيين عندما كانوا جياعا، وقارنه في أي زمن آخر لاحق!!!)
وعليه فإن الأردن من أكثر بلدان العالم الثالث ، تحضرا ونموا في السكان ورقيا في التعليم والصحة وفق مؤشرات دولية موثقة ،مما يعني أن البداوة فيه قد إنتفت ،وبالتالي لم يعد جائزا الحديث عن دوائر مغلقة لما تسميه مشاريع وقوانين الإنتخابات ب"دوائر البدو" لأنه ببساطة لايوجد بدو يعيشون على الرعي وتربية الماشية ويقطنون الخيام وبيوت الشعر!ثم ان في ذلك إساءة بالغة للقبائل والعشائر المتحضرة التي تنعتها تلك المشاريع ب"البدو"! وليس هناك في أعراف مجتمعات اليوم وتشريعاتها المتحضرة تمييز إيجابي وتمييز سلبي لأن كل أنواع التمييز هي تخلف وردة ومخالفة للمواثيق التي أجمعت عليها الأمم المتحضرة!
أما كوتة الأشقاء  المسيحيين والشركس والشيشان ، فهي تمييز صريح بين فئات الشعب الواحد ، وغير إيجابي، نظرا للوطنية الواحدة التي تجمع هؤلاء من أشقائهم الآخرين  في الوطن،وغياب اللغة او الثقافة او التقاليد الفرعية الخاصة بهؤلاء ل الأشقاء،في  ضوء اللغة والثقافة الواحدة لكل فئات شعبنا ،وهي فئات مندمجة وملتحمة في لحمة واحدة مع باقي فئات المجتمع ،والأهم من كل هذا وذاك هو أن كل هذه الكوتا مخالفة صريحة وعلنية لنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من الدستور الأردني النافذ ونصها:"1- الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وغن إختلفوا في العرق أو اللغة او الدين"(الدستور الأردني مع جميع التعديلات التي طرأت عليه.-مطبوعات مجلس النواب ،2011م،ص،6)
أما كوتة المرأة ،فإن نجاح أكثر من إمرأة في الإنتخابات المباشرة من دون كوتة دليل قاطع أن بإمكان المرأة الأردنية الوصول بجدارة لعضوية البرلمان بعد المكانة الكبيرة والمتميزة التي باتت تستحوذ عليها المرأة في كل قطاعات المجتمع،إذ هي تشكل مايزيد عن سبعين في المائة من أعضاء نقابة المعلمين ،بعدد يصل لخمس وسبعين ألف معلمة، وبنسبة عشرين في المائة من عدد اعضاء نقابة الصحفيين ،وذلك حسب إحصائيات عام 2012م،وبنسبة كبيرة، يزيد عدد الصيادلة الآناث عن الذكور بعدد يصل إلى عشرة آلاف وإحدى عشرة صيدلانية أردنية الجنسية، مقابل سبعة آلاف وخمسمائة وتسعين صيدلانيا ،وذلك حتى ظهر يوم الثلاثاء 29 أيلول /سبتمبر من العام الحالي2015م!!
وفي بحث للزميل موفق ابو حمود من هيئة تدريس جامعة فيلادلفيا حول "الواقع السياسي للمرأة الأردنية" يتبين ان عام 1974م هو عام إعتراف المشرع الأردني للمرأة بحق الإنتخاب والترشح في المجالس النيابية،والسماح بقيام"الإتحاد النسائي"الذي يُحظر عليه القيام بنشاط سياسي بشكل صريح،وفي العام 1982م اصبح من حق المرأة المشاركة في الإنتخابات البلدية كناخبة ومرشحة ،وكانت اول مشاركة لها في العام 1989م!ولم تنجح سوى سيدة واحدة برئاسة بلدية ،وتسع نساء أخريات بعضوية المجالس البلدية عام 1995م!..وتم تخصيص كوتا للمرأة في مجلس النواب بستة مقاعد من اصل (110) عندما تم تعديل قانون الإنتخاب الأردني لعام 2001م ،ووصل عدد اعضاء الكوتا النسائية إلى (15) مقعدا من اصل (150)مقعدا في الإنتخابات النيابية الأخيرة لعام 2013م ،ويوجد الآن في المجلس الحالي (18)سيدة ،3 منهن فازن بالتنافس الحر،...وهو مايشير إلى نضوج التجربة النسائية إلى حد ما،كما ويشير إلى حقيقية أن أداء المرأة هو  الذي يخلق القاعدة بالتصويت لها!
وعليه فإن إلغاء كوتة المرأة في إنتخابات مجلس النواب قد يساهم في التنافس الحر بين النساء في ضوء المستوى التعليمي والثقافي للمراة.!
و نخلص من الشبهة الأولى بالقول :عن جميع أنواع الكوتا هي مُخالفة صريحة للدستور ،ومن شان التمسك الحكومي بها  التأثير سلبا على وحدة وتماسك النسيج الوطني الموحد والملتحم ،ونظرة خاطئة لواقع المجتمع الأردني المتحضر والمدني!وبالتالي فإن "المحكمة الدستورية "الموقرة مطالبة التدخل لحسم هذه المسألة ببيان مخالفة الكوتا لنصوص دستورنا وهو مايتطلب من مجلس النواب التقدم للمحكمة الموقرة للطعن بذلك،بإعتبارالمحكمة التي تأسست عام 2011م "تختص بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة  النافذة وتصدر أحكامها بإسم الملك ،وتكون أحكامها نهائية  ومُلزمة لجميع السلطات وللكافة"ولها "حق تفسير نصوص الدستور...."و"للجهات التالية على سبيل الحصر حق الطعن مباشرة لدى المحكمة الديستورية  في دستورية القوانين والأنظمة  النافذة :مجلس النواب ،مجلس الأعيان ،مجلس الوزراء"(المادتان59و60 من الدستور ،ص،28-29)
أما الشبهة الدستورية الأخرى فهي إحتكار الحكومة او السلطة التنفيذية لتحديد عدد الدوائر الإنتخابية وفق نظام والرفض القاطع لتولي مجلس النواب هذه الصلاحية التي تدخل في صميم صلاحياته وفق أعراف المجتمعات الديمقراطية المتحضرة ووفق الدور التشريعي المقتصر على مجلس الأمة ولما لتحديد عدد تلك الدوائر من مصداقية تمثيلية وبالتالي التأثير سلبا ،او،إيجابا على مصداقية وشفافية  العملية التشريعية وإستقلالها  وكفاءتها في البلاد وبالتالي تطور الوطن ورقيه ونظرة المؤسسات القانونية الدولية لواقعه السياسي والنيابي .
وقد تطو عدد الدوائر الإنتخابية من 4 دوائر عام 1928 إلى 9 مناطق عام 1947م لها 20 نائبا  ثم أخذ العدد بالإزدياد منذ وحدة الضفتين وللآن!إلا أن إحتكار الحكومات الأردنية المتعاقبة لتحديد عدد الدوائر الإنتخابية دون تدخل من مجلس الأمة لايعني أن الأمر بات عرفا دستوريا او حقا مكتسبا للحكومات البتة ،بل هو تعد على صلاحية السلطة التشريعية ومخالفة لروح نصوص الدستور  ،ثم أن الدستور يخلو تلميحا وتصريحا من أي حق مزعوم للحكومة بتحديد ذلك الأمر!لسبب بسيط هو أن ممثلي الشعب المنتخبين هم الأقدر والأكثر مصداقية وإقناعا في التوزيع العادل لعدد الدوائر على التمثيل السكاني للجغرافيا الأردنية.
وعليه تستحق هذه الشبهة أن تفصل بها مرة واحدة وللأبد محكمتنا الدستورية الموقرة- التي تُلاقي قراراتها صدقية وقبول من غالبية مجتمعنا العربي الأردني- وإن كانت فئات أكاديمية ومهنية تطالب لو يتم توسيع مروحة الجهات التي يحق لها الطعن في دستورية القوانين والأنظمة أمام هذه المحكمة الموقرة،لأنها بذلك تكون قد دفعت بالعملية الإصلاحية على صعيد التشريعات الوطنية خطوات متقدمة ولازمة لتطور البلد وفقهه التشريعي ونزاهته وشموليته،في ضوء الحاجات المعقدة والجديدة للمواطن والتي تكاد ان تتكاثر جرثوميا!
وثالث الشبهات أن تعزيز القائمة النسبية للإنتخاب على مستوى المحافظة ،إن كان إيجابيا وجديد وعودة صحيحة للأمور إلا أنه لن يجدي نفعا مؤثرا في مسيرة البلد الإصلاحيىة سياسيا وحزباا وبرلمانيا وتشريعيا ووحدة وطنية قوية راسخة إن لم يتم الإعتراف بقائمة وطنية مغلقة لعموم الوطن تعتبر الوطن كله دائرة إنتخابية واحدة مما يفضي لحركة إنسيابية جدية لنمو مرشحي الأحزاب وبالتالي إنعاشها تمهيدا للوصول إلى كتل برلمانية حقيقية وليس إفتراضية او وهمية كما هو الحال عليه في المجالس النيابية منذ إقرار قانون إنتخابات الصوت الواحد والدوائر الوهمية التي لم تنتج مجالس نيابية مؤثرة أو مقنعة للناخب ،وبالتالي أدى ألأمر إلى غياب  المشاركة الشعبية في صنع القرارات  مما أثر سلبا على إقتصاد البلد،وبروز هويات فرعية عاشت على حسلب الهوية الجامعة الواحدة التي سيعيدها وينتشلها قانون إنتخاب عصري يوازن بين دوائر المحافظات النسبية ودائرة الوطن كي يكون عندنا نواب وطن بحق وحقيق!وهو أمر إذا ما أصرت الحكومة على عدم الإستجابة له ،فإن على ممثلي الشعب المنتخبين في مجلس النواب التقدم لتدخل المحكمة الدستورية وفصلها في الأمر أو ان يلجأ مجلس النواب ذاته في أسوأ الظروف لإقتراح مشروع قانون إنتخابات جديد يلبي طموحات شعبنا العربي الأردني ويساهم في صمود الوطن تجاه تحديات عظمى ليس لها من سابق عهد البتة!
ويرى الكاتب انه إن لم يُقر عددا من المقاعد لاتقل عن الثلث لدائرة وطنية مُغلقة فإن المشروع الحالي لايعدو أن يكون تمديدا لقانون الصوت الواحد السيء الذكر وهو ماسيُفضي إلى مخرجات غير مُمثلة تمثيلا حقيقيا للقوى السياسية والإجتماعية المؤثرة مما يستنسخ مجالس نيابية إفتراضية سابقة لم تقنع الرأي العام المحلي !
*أستاذ علوم الصحافة المساعد (جامعة فيلادلفيا)وعضو نقابة المحامين الأردنيين.