حائط البراق بين الحق العربي الغائب، والباطل الصهيوني الحاضر!
د.ماجد توهان الزبيدي
يُشكل حائط البراق ،الجزء الغربي من جدار الحرم القدسي الشريف ،بطول حوالي
47م، ولم يكن في أي وقت من الأوقات جزاً من الهيكل اليهودي المزعوم ،الذي لم
يستطيع أحد حتى الآن تحديد مكانه بالضبط.
لأغراض توسيع منطقة حائط البراق أو الحائط الغربي للحرم القدسي، قامت
قوات الاحتلال الإسرائيلي ،في الثامن من حزيران / يونيو 1967 م ،بهدم حارة
المغاربة عن بكرة أبيها، والتي كانت تضم (595) بناية و(104) محلاً تجارياً، وخمسة
مساجد، وأربعة مدارس، وهجرتّ سكانها البالغ عددهم (6500) نسمة، وصادرت أرضيها
البالغة مساحتها(16) دونماً(الدونم الواحد الف متر مربع)، بحجة توسيع رقعة مساحة
حائط البراق، لإطباق السيطرة عليه ،تمهيداً للزحف منه باتجاه المسجد الأقصى
المبارك. فحارة المغاربة يشكل حائط البراق ،حدّها الشرقي، الذي هو الحائط الغربي
للمسجد الأقصى الذي ربط فيه جبريل-عليه السلام- البراق الشريف ليلة الإسراء
والمعراج.
لم تستخدم عبارة "حائط المبكى" إلا في
عام 1929م عندما كانت ،ما تسمى
ب"لجنة الدفاع اليهودية عن الحائط" تذيع بياناتها، ثم توقف استخدام هذه
العبارة بعد انتهاء انتفاضة البراق الفلسطينية ،وصدور قرار اللجنة الدولية - المصادق
عليه من الحكومة البريطانية وعصبة الأمم المتحدة عام 1931م - بملكية المسلمين
للحائط.
إلا أن العبارة : "حائط المبكى "
عادت للظهور بعد الحرب التي قامت بها إسرائيل ضد الدول العربية في حزيران / يونيو
1967، حيث لم تقتصر مناداة حائط البراق بالمبكى ، على اليهود فحسب ،بل أخذت بعض
وسائل الإعلام في أقطار من الوطن العربي، وكأنها تثبتّ الحق لليهود في الحائط ،على
الرغم من أن هذه المقولة لا تستند إلى أي أساس ديني أو تاريخي أو قانوني.
وقد أصدرت كاتبة أمريكية تدعى "كارين
أرمسترونغ" كتاباً قبل بضع سنوات، تذكر فيه أن اليهود لم يظهروا في الماضي أي
اهتمام قط ،بذلك الجزء من الحائط الغربي (للحرم القدسي) وإنهم عندما منعوا من دخول
المدينة خلال الفترة الصليبية ،كانوا يصلَون عند الحائط الشرقي للحرم، وأن السلطان
العثماني سليمان القانوني ،هو الذي أصدر" فرماناً "بالصلاة عند الحائط
الغربي، وسرعان ما اجتذب الحائط أساطير كثيرة ثم ربُط ، بأقاويل التلمود، وهكذا
أصبح الحائط رمزاً لليهود.
ويدعم هذه الحقيقة نصان، الأول ورد في :الموسوعة
اليهودية:،الصادرة في القدس عام 1971م ونصّه: أن الحائط الغربي جزء من التقاليد
الدينية اليهودية منذ سنة 1520م، نتيجة للهجرة اليهودية من إسبانيا (الأندلس)،
وبعد الفتح العثماني سنة 1517م ، في حين أن النص الثاني ،أشار إليه تقرير"
اللجنة الدولية لتحديد الحقوق والادعاءات بشأن الحائط" عام 1931 ، حيث يذكر
أنه وردت إشارة لأحد الباحثين في سنة1625م عن إقامة صلوات منتظمة عند الحائط لأول
مرة ، وخلال الحكم المصري للشام(1831-1841م) كان يسمح لليهود بالاقتراب من الحائط
والبكاء عنده مقابل ثلاثمائة جنية إنجليزي كانوا يسددونها سنويا.
إن اهتمام اليهود بحائط البراق جاء متأخراً، وكل
اهتمامهم مُنصّب في كتبهم على "هيكل سليمان"، وليس على حائط البراق، إلا
أن اليهود الأوروبيين منذ منتصف القرن التاسع عشرالميلادي، بدأوا بشن هجوم مركّز
لتنفيذ خطط أعدت للاستيلاء على حائط البراق وحارة المغاربة، إذ قام القنصل
البريطاني في القدس نيابة عن يهود القدس، بتقديم طلب إلى حكومة محمد علي باشا حاكم
مصر، الذي كان يحكم فلسطين آنذاك، يبدي فيه رغبته بإعادة ترميم "رصيف المبكى"
أي رصيف حائط البراق ،إلا أن الطلب تم رفضه بعد إدراك الغاية الحقيقية منه. وفي
الخمسينات من القرن التاسع عشر ،حاول حاخام مدينة "بومباي" الهندية،
شراء الحائط، وفي الوقت نفسه حاول (السير)" موسى مونتيفيوري" الثري البريطاني
اليهودي، الحصول على إذن، لوضع طاولات ومظلات على الرصيف،بينما في سنة 1887م ،عرض
(البارون) المشهور "روتشيلد" شراء حارة المغاربة كلها ،على أن تُهدم، وتُقام
مساكن للمغاربة في مناطق أخرى.
وفي سنة 1911م ،حاول اليهود الأجانب غير
المتدينين ،تحت تأثير الدعاية الصهيونية ،إحضار كراسي وطاولات لوضعها على رصيف
حائط البراق ،دون إذن السلطان العثماني، والذي رفض ذلك، بناء على استدعاء مقدم من
متولي أوقاف المغاربة(أوقاف أبي مدين).
وقبيل الحرب العالمية الأولى ،حاول بنك "أنجلو"
الصهيوني شراء حارة المغاربة، بينما مع بداية الحكم البريطاني في فلسطين سنة1917م
، ازدادت محاولات اليهود للاستيلاء على الحائط ،واتخذت طابعا استفزازيا، وأخذ
الجنود اليهود في الجيش البريطاني بعد خمس أشهر من دخول فلسطين، يزورون الحائط
ويمارسون طقوسهم علناً، في الوقت نفسه ،الذي وجّه "حاييم وايزمان"(زعيم
الحركة الصهيونية) خطاباً إلى وزير خارجية بريطانيا " آرثر بلفور"
يطالبه بتسليم حائط البراق لليهود.
إن اليهود الأوروبيين المعروفين بإسم
(الاشكيناز) هم الذين صعدّوا الخلاف حول قضية البراق، وهم الذين حولّوها إلى قضية
خلاف ديني لتغطية مطامعهم السياسية التي كانت تهدف إلى إنشاء دولة يهودية في
فلسطين.
وفي "عيد الغفران " سنة 1928م أعاد
اليهود محاولاتهم لوضع أدوات مختلفة على رصيف البراق ،فمنعهم أحد الضباط
البريطانيين، وعلى أثر ذلك ،أثار اليهود ضجة وأصبحت القضية تعرف منذ ذلك الوقت
بقضية البراق.
ولمّا لم يكن لليهود من الأماكن التي يزعمون
بتقديسها في فلسطين سوى مايسمّونه ب"حائط
المبكى"(حائط البراق الإسلامي)،وهو الجدار الغربي للحرم الشريف ،الذي يزعم
اليهود أن القسم السفلي من الجدار الخارجي للحائط ، هو آخر قطعة باقية من "معبد هيرودوس"الذي بُني
عام 11 قبل الميلاد،على موقع "هيكل سليمان"!
وفي عهد التسلط
البريطاني الغادر على فلسطين تحدّى اليهود، المسلمين،فأحتشد الألوف من شبانهّم
وشاباتهّم ومشوا في شوارع القدس ،بإنتظام مُدبرّ،وفوق الرؤوس علمهم الصهيوني
ملفوفا بالسواد ،حتى إذا بلغوا "حائط البراق" نشروا العلم وأنشدوا
النشيد الوطني اليهودي بحماسة ،وعلت أصواتهم بالهتاف :"الحائط حائطنا،الويل
لمن يُدنّس أماكننا المقدسّة"وهو ما أدّى لوقوع الإضطرابات وأنتفاضة العرب
الفلسطينيين في آب /اغسطس من عام 1929م.
ففي يوم 14 آب 1929م تدفق الفلسطينيون إلى
القدس لإداء صلاة الجمعة،ثم خرجوا في تظاهرات وهم يحملون العصي والمسدسات والسيوف
وهاجموا اليهود ،عند الحائط،وانتشرت أنباء المصادمات والثورة في القدس وفي فلسطين
كلها وسميت ب" ثورة البراق"،ثم كان من نتيجتها أن اقترحت الحكومة
البريطانية على مجلس "عصبة الامم "تشكيل لجنة دولية محايدة لتحديد
الحقوق والادعاءات بشأن "حائط البراق" أو الحائط الغربي للحرم القدسي،
حيث وافق مجلس العصبة في 10 أيار / مايو 1930م على تشكيلها برئاسة وزير الشؤون
الخارجية السابق لحكومة السويد.
وقد كانت الاستنتاجات التي توصلت إليها اللجنة
،مؤيدة لوجهة النظر الفلسطينية.
وفيما يلي إيجاز لتلك التوصيات بنصوصها
الحرفية كما وردت في تقرير اللجنة:
"1-
للمسلمين وحدهم تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط الغربي، وأمام المحلة
المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط، لكونه موقوفا حسب أحكام الشرع الإسلامي
لجهات البر والخير.
"2- أن
أدوات العبادة و(أو) غيرها من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط ،إما
بالإستناد إلى أحكام هذا القرار ،أو، بالاتفاق بين الفريقين، لا يجوز في حال من
الأحوال أن تعتبر ،أو ،أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عيني لليهود في الحائط أو في
الرصيف المجاور له.
"3- ومن الجهة الأخرى يكون المسلمون مُلزمين بعدم إنشاء أو إقامة أي بناء أو هدم أو،تعمير
أي بناء من أبنية الوقف( ساحة الحرم ومحلة المغاربة) المجاورة للحائط بحيث
يتجاوزون في عملهم هذا على الرصيف ،أو، يعيقون سلوك اليهود ،أو، التعرض لهم في
مواعيد زياراتهم إلى الحائط ،لاقامة تضرعاتهم، إن كان اجتناب ذلك مستطاعاً بأي وجه
كان:
"أ- لليهود
حرية السلوك إلى الحائط الغربي لإقامة التضرعات في جميع الأوقات مع مراعاة الشروط
المشار إليها في ما يلي :
1 - إن التعليمات المؤقتة التي أصدرتها إدارة فلسطين(البريطانية)
في أواخر شهر أيلول سنة 1929م ، بشأن أدوات العبادة(لليهود)، يجب أن تكتسب الصيغة
القطعية على أن يجري فيها تعديل واحد هو: السماح بوضع الخزانة المحتوية على أسفار
التوراة ،والمائدة التي توضع عليها الخزانة ،والمائدة التي توضع عليها الأسفار،
عند الحائط في المناسبتين التاليتين فقط :
" أ- عند وقوع صوم أو اجتماع خاص للصلاة
العامة ،تأمر رئاسة حاخامي القدس به ،بسبب وقوع كارثة أو نكبة أو مصيبة عمومية ،على
أن تبلغ إدارة فلسطين بذلك في الوقت اللازم.
"ب_ في يوم
عيد رأس السنة وفي يوم الغفران ،وأيضاً ،الأعياد المخصّصة الأخرى المعترف بها من
الحكومة، والتي جرت العادة فيها على جلب الخزانة المحتوية على الأسفار إلى الحائط.
وعدا ما هو منصوص عليه في أحكام هذا القرار لا
يجوز جلب أية أدوات عبادة إلى جوار الحائط.
2" - لا
يعارض ولا يمانع اليهود، كأفراد من جلب كتب صلاة يدوية معهم إلى الحائط أو أية
أدوات أخرى اعتادوا استعمالها في صلواتهم إما بصورة مطلقة أو في مناسبات مُخصصة
ولا يعارضون ولا يمانعون في ارتداء أي ألبسة استعملت منذ القديم في صلواتهم.
3"- إن منع
جلب المقاعد والسجاجيد والحصر والكراسي والستائر والحواجز ..الخ وسوق الدواب عند
الرصيف ،ساعات معينة، المقررة في التعليمات المؤقتة، كما أن وجوب إبقاء الباب
الكائن في طرف الحائط الجنوبي مُقفلاً أثناء ساعات معينة، يجب أن يُقرر ويُصبح مُطلقاً
على أن يحترم في ذلك حق المسلمين في الذهاب والإياب على الرصيف بالطريقة
الاعتيادية، ويبقى حقهم هذا مصوناً من كل تعد كما هو الآن.
4"- يُمنع
جلب أية خيمة ،أو ،ستائر، أو، ما يشابههما من الأدوات إلى الحائط لوضعها هناك حتى
لو كان ذلك لمدة محدودة من الزمن.
5- لا يُسمح
لليهود بنفخ البوق(الشوفاز) بالقرب من الحائط، ولا يسببوا أي إزعاج آخر للمسلمين
مما يمكن تحاشيه، ومن الجهة الأخرى ،لا يسمح للمسلمين بإقامة
حفلة"الذكر" بقرب الرصيف في أثناء قيام اليهود بالصلاة وبإزعاج اليهود
على وجه آخر.
6- يجب أن يُفهم
أن للإدارة (البريطانية) الحق في اصدار التعليمات التي تستصوبها بشأن قياس كل أداة
من الأدوات المسموح لليهود بجلبها إلى الحائط وبشأن الأيام والساعات المخصوصة
المشار إليها في ما تقدم، وبشأن أية أمور أخرى تستدعيها الضرورة لأجل تنفيذ قرار
هذا على أتم وأوفى وجه .
7- محظور على أي
كان استعمال المكان الكائن أمام الحائط او ما يجاوره لأجل إلقاء الخطب أو إقامة
المظاهرات السياسية مهما كان نوعها .
8- يُعتبر أن من
مصلحة المسلمين واليهود المشتركة على السواء عدم تشويه الحائط الغربي، بأية نقوش،
أو، كتابات عليه ،أو، بدق مسامير، أو، ما شابهها من المواد فيه، وأيضاً إبقاء
الرصيف الكائن أمام الحائط نظيفاً ومحترماً من قبل المسلمين واليهود على حد
السواء.
9- بالنظر لكون
الحائط أثراً تاريخياً ، يُناط بإدارة فلسطين، تعميره التعمير اللازم اللائق به ،وكل
تعمير، تستدعي الضرورة إجراءه فيه ،تقوم به تلك الإدارة، ويجري إشرافها ،وإنما بعد
مشاورة المجلس الإسلامي الأعلى والمجلس الرباني لفلسطين.
10- إذا لم يقم
المسلمون بإجراء التعمير الضروري للرصيف في الوقت اللازم، فتتخذ إدارة فلسطين
التدابير الضرورية لتعميره.
11- تُكلف رئاسة
حاخامي القدس، بتعيين موظف واحد ، أو، أكثر، يكونون مُفوَضوها المُعتمدين لأجل تلَقي
،التعليمات والتبليغات ،التي تصدرها ،إدارة فلسطين ،من حين لآخر بشأن الحائط
الغربي ،والرصيف أمامه والمعاملات التي تتبع في ما يتعلق بتقديم اليهود تضرعاتهم
بالقرب من الحائط .
المصادر :
1- رائف يوسف نجم.
دليل القدس(تحرير ماجد توهان الزبيدي)، عمان : المجلس الوطني الفلسطيني
1995.
2- حائط
البراق الشريف: تقرير اللجنة الدولية المصادق عليه من الحكومة البريطانية وعصبة
الأمم عام 1931._ لندن: مجمع البحوث الإسلامية في المملكة المتحدة،1999،
بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 7986( بالغتين العربية والإنجليزية، تقديم عبد
الفتاح العويسي ووليد الخالدي) 126صفحة،118صفحة بالإنجليزية.
3-اعداد متفرقة
من دورية القدس، النشرة الصادرة كل شهرين عن" اللجنة الملكية لشؤون
القدس" في الأردن.(أعداد العام 2000)
4- عبد الرحمن
المزين: أثار القدس( بحث غير منشور مؤرخ في 27/6/1997).
5- فداء
طه،" كيف استولى اليهود على حائط البراق وجعلوه مكان عبادة لهم؟" الرأي
(عمان) 4/2/2000.
.............................................................................................أستاذ جامعي وكاتب في المعلوماتية والحقوق.mzubidi2008@gmail.com