حقوق ضحايا الحروب في الإسلام والقانون الدولي(1-2)
د.ماجد توهان الزبيدي*
خلصت دراسة لمؤسسة "كارنيجي
"للسلام عام 1940م عن حروب العالم على إمتداد التاريخ البشري ،إلى أن
الإنسانية شهدت مائتين وسبع وعشرين سنة من السلام ،في مقابل الف ومائة وثلاثين سنة
من الحروب في الفترة الزمنية الممتدة منذ العام 1496 قبل الميلاد وحتى العام 1861م
،خلال دورة زمنية مدتها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبع وخمسين سنة.
وفي إحصاء أحدث للحروب ،وقف عليه أستاذ القانون الدولي والمنظمات الدولية
بجامعة دمشق محمد عزيز شكري ،تبين أنه
خلال خمسة آلاف وخمسمائة وستين سنة من تاريخ البشرية ،وحتى نهاية الحرب العالمية
الثانية 1945م ،حدث أربعة عشر ألفا وخمسمائة وواحد وعشرين حربا ،بمعدل 2,61135 حرب
كل عام!!كما تبين أنه خلال مائة وخمس وثمانين جيلا من أجيال البشرية لم ينعم بسلم
مؤقت من بينها إلأ عشرة أجيال فقط!!
ظهرت القواعد والتشريعات القانونية
الدولية الخاصة بحماية ضحايا الحروب واسراها ومرضاها وجرحاها ومفقوديها وغرقاها ،
واعيانهم المدنية ،بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ،،وإستقرت في قواعد مُلزمة
للدول والشعوب بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945م)مع ولادة "الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان"(1948م)وإتفاقيات جنيف الدولية الأربع لعام 1949م
وملحقيها الإضافيين للعام 1977م،والخاصة بجرحى ومرضى الحروب في البر والبحر
والأسرى ومعاملة المدنيين ،مع ان الجذور
الأولى لهذه الإتفاقيات يعود لزمن الفقيه القانوني الهولندي ""هيوغو
غروتيوس"(1588-1679م)وكتابه ذائع الصيت:"قانون الحرب
والسلام"(1925م) ثم لاحقا للمفكر الفرنسي الكبير "جان جاك روسو"( 1712- 1778م )وكتابه
الشهير:" العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي " وما تلاهما من مفكرين تأثروا بهما.
إلا
أن القوانين الناظمة لحماية تلك الفئات من ضحايا الحروب ،في الشريعة الإسلامية الحقة، ظهرت منذ بدء
الدعوة الإسلامية في المصادر الإسلامية الأساسية للتشريع:القرآن الكريم والسنة
النبوية وإجتهاد العلماء،لما ليس فيه من نص في المصدرين الأولين.
ففي تعريف أسرى الحرب،وفق قواعد الشريعة الإسلامية الحقة ،نجدهم
"المقاتلون من الكفار،إذا وقعوا أسرى بيد المقاتلين المسلمين أثناء القتال
الذين إشتركوا فعليا في القتال وتم القبض عليهم اثناء سير المعارك ويحملون اسلحتهم
وإشتركوا عن قصد مسبق في أعمال عدائية من خلال حرب تم شنها من قبلهم او من قبل
قادتهم ضد المسلمين أو دولتهم
الإسلامية".
ويتضح من التعريف السابق ،أن كل رجل بالغ أو غير
بالغ لايحمل السلاح ولا يشارك مباشرة في القتال ،وكذلك الأطفال والنساء لايعتبر
مُقاتلا وبالتالي لايجوز إعتباره أسيرا او أسيرة.
وعليه ،فإنه وفق تعاليم الإسلام
وإجماع معظم الفقهاء لايُقتل غير المقاتل أثناء الحرب ،تطبيقا لشرع الله عزوجل
القائل في "سورة البقرة""وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا
تعتدوا إن الله لايحب المعتدين"(الأية 190).
وفي" سورة الممتحنة "نجد
دستورا متسامحا من الإسلام مع الأمم المجاورة في الآيتين الثامنة والتاسعة:" لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن
تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ))) الممتحنَة : 8و9 (
وليس هناك من خلاف بين علماء الإسلام بخصوص ضمان
أمان المدنيين من الرجال والنساء من كل الأعمار ممن لاينخرطون مباشرة في قتال
المسلمين ،أو حرمة الجثث والموتى والجرحى وكبار السن والأسرى من الجنود المقاتلين
.
ونجد العديد من أحاديث الرسول العربي محمد بن
عبدالله –عليه السلام-التي امرت بإحترام كرامة وإنسانية الإنسان في الحرب والسلم
معا ،إنطلاقا من المنزلة السامية للإنسان عند الله ورسوله ،مهما كان دينه أو عرقه
او لونه!
فقد روى "مسلم" في صحيحه عن
"بريدة"،قال:"كان رسول الله عليه السلام إذا أمر(تشديد الراء) على
جيش او سرية أوصى القائد في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا،ثم
قال:"إنطلقوا بإسم الله وعلى بركة الله ورسوله ،ولا تقتلوا شيخا فانيا ،ولا
طفلا صغيرا ،ولا إمرأة ولا تغلوا (لاتخونوا)وإصلحوا وأحسنوا أن الله يحب المحسنين
".
وفي رواية أخرى :"ولا تغدروا
ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا "،ونهى عليه السلام عن المثلة بقوله:"إياكم
والمثلة ولو بالكلب المعقور"،أي:التمثيل بالجثث.
وفي حديث صحيح آخر،نهى الرسول عليه السلام عن قتل المدنيين من أفراد وذرية
وأقرباء الأعداء المحاربين ،فقال:"لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا".وأمر –عليه
السلام- بعد هزيمة المشركين في معركة بدر بدفن موتاهم إحتراما للإنسان حيا أو
ميتا،مسلما او غير مسلم ،وهو الذي –عليه السلام- وقف بعد أن كان جالسا ،إحتراما
لجنازة مواطن عربي يهودي مقيما في الدولة العربية الإسلامية في الحجاز،إنطلاقا من
تقدير الإسلام للإنسان وحقه الأساسي في الحياة والكرامة والأمن،قبل الموت
وبعده،مسلما كان أم غير مسلم ،مُقيما في كنف الدولة العربية الإسلامية!!
وسار خلفاء الدولة الراشدون والأمويون
والعباسيون على منهج الرسول محمد -عليه السلام- في معاملة ضحايا الحروب والمدنيين
من الأمم الأخرى ،ولعل وصية الخليفة الراشدي الأول، عبد اللّه بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب
بن لؤي القرشي التيمي ( ابوبكر الصديق بن أبي قحافة)،ليزيد بن أبي سفيان مايُلخص موقف الإسلام والمسلمين الحقيقي من معاملة
الأسرى والجرحى والمرضى والشيوخ والأطفال والنساء ومن على شاكلتهم،من الأقوام والديانات
الأخرى ، وأعيانهم المدنية والإقتصادية ،اثناء المعارك والحروب ،وهي وصية موثقة في
أمهات المراجع الإسلامية في السير والمغازي والتاريخ ،وفي
"الموطأ"للإمام مالك،عندما يوصي الخليفة الصادق قائد الجيش يزيد:".. سَتَجِدُ
قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ للَّهِ ، فَذَرْهُمْ وَمَا
زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ. وَإِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ : لا
تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً ، وَلا صَبِيًّا ، وَلا كَبِيرًا هَرِمًا ، وَلا
تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا ، وَلا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا ، وَلا تَعْقِرَنَّ
شَاةً ، وَلا بَعِيرًا إِلا لِمَأْكَلَةٍ ، وَلا تَحْرِقَنَّ نَخْلا وَلا
تَعْزِقَنَّهُ ، وَلا تَغْلُلْ ، وَلا تَجْبُنْ".
وقد أضاف مجتهدو الأمة إلى قائمة فئات الناس
المشمولة بحماية المقاتلين المسلمين أثناء المعارك :"المُقعد ،ويابس
الشق،والأعمى ،ومقطوع اليدين والرجل،ومقطوع اليمنى،والمعتوه،والسائح في الجبال
،والمقيم في الكنيسة،المطبق عليه بابه ،والذي هرب من المعركة"كما أورده أستاذ
القانون الدولي والمنظمات الدولية محمد عزيز شكري ،نقلا عن "الكاساني".( ملك العلماء
الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني،المتوفى عام 1191م).
وخلص أستاذ القانون الدولي العام بجامعة الأزهر
عبد الغني عبد الحميد محمود،إستنادا إلى أمهات مراجع الفقهاء
المسلمين:"الأحكام السلطانية"للماوردي،وطالمغني"لإبن
قدامة،و"الخراج"لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري (المتوفى:
182هـ(،و"المبسوط"للسرخسي
،و"نيل الأوطار"للشوكاني ،و"تفسير إبن كثير"وغيرها ،إلى أن
الأسرى لايخضعون لسلطة الجنود او الوحدة العسكرية التي أسرتهم ،وغنما لسلطة رئيس
الدولة الإسلامية ،أو من إستنابه عليهم،وأن أولئك الأسرى يتلقون المعاملة التالية
التي فرضها الإسلام:
1-توفير المأوى لأٍرى الحرب:كان
الرسول –عليه السلام- يوزع أسرى الحروب على المسلمين للإقامة معهم في بيوتهم ،او
يتم حجزهم في المسجد حتى ينتهي الأسر ،مع توفير الطعام والشراب لهم.
2-غذاء الأسرى وكسائهم:كان
المسلمون يؤثرون اسراهم من المشركين بعد معركة بدر على أنفسهم في الطعام على الرغم
من حاجتهم إليه وحبهم له إمتثالا لأمر الرسول بإكرام الأسرى ،حتى نزل فيهم قول
الله تعالى:"وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا
نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا...(سورة
الإنسان:8-12)
3- حق إحترام شرف الأسير
وكرامته:أخرج أحمد أن النبي عليه السلام قال:"من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فلا ينكح شيئا من السبايا حتى تحيض حيضة".
4-المحافظة على وحدة الأسرة:اجمع
فقهاء المسلمين أنه لايفرق في السبايا وولدها الصغير وإن رضيت الأم بذلك، لما في
ذلك من أضرار بالولد.
5- حق الأسرى في الإتصال بأهلهم
وأقاربهم للإطمئنان عليهم.
في ضوء ماسلف من مُختصر لموقف
الشريعة الإسلامية بمصادرها الثلاث الرئيسة للتشريع نجد أن مايمارسه بعض العرب من
نظم سياسية وقادة جيوش ومنظمات مسلحة،من ممارسات فظيعة في القتل والخطف والإجهاز
على الجرحى والأسرى وتعذيبهم والتمثيل بالجثث وتركها للحيوانات الضالة والمسعورة
،وتهديم البيوت والأحياء السكنية والأسواق والمؤسسات الخدمية والإنتاجية العامة على
رؤوس قاطنيها من المدنيين في الحروب العربية- العربية الداخلية ،إضافة للإساءة
لدور العبادة من مساجد وحسينيات وكنائس بتدميرها كليا أو جزئيا فوق رؤوس قاطنيها
،ونبش للقبور وتحطيم علاماتها،وترويع المدنيين العزل بأسلحة مُخيفة حديثة،وقطع
إمدادات الغذاء والدواء، وغير ذلك من مجازر وفظائع قلما حفل التاريخ البشري
بمثلها،هي ممارسات همجية ليست من الإسلام وعلمائه وتعاليمه في شيء البتة ،وأن ذلك
ليس إلأ ردة عن الدين الحنيف وإساءة متعمدة عن جهل أو إصرار لتشويه الروح الحقيقية
لدين الإسلام،وصورة العرب والمسلمين ،مما يعطي لقوى الغزو والإحتلال التي تحتل
مقدسات العرب وبلادهم مبررات للبقاء في نظر شعوب العالم ومؤسساته الفاعلة على
الصعيد الدولي .

