سذاجة الدكاترة!أو مواسم أنتخابات
مناسف خراف العصاعيص!
د.ماجد توهان الزبيدي
لم أكن أعلم مبلغ سذاجتي في فهم الإنتخابات النيابية إلأ بالأمس عندما جمعني فرح مع عينه من المرشحين أو المُتنطحين الجدد !ذلك أنني درستُ النظم السياسية والدستورية منذ الثورة الفرنسية، وأكاد أن أحفظ عن ظهر قلب مواد الدستور الأردني الساري المفعول منذ العام 1952م وللآن وتعديلاته التي شارفت على الثلاثين مرة ومواده التي عُدلت في فترة الحراك العربي والتي تجاوزت الأربعين مادة ووقفت أو تجمدت عند المواد 34-36! إلأ أنني أدركت بالأمس أن المرء يكون جاهلا إن هو وصل لقناعة العلم أو العلم شبه التام!
أدركت تلك الحقيقة بعد حواري مع إثنين من أقاربي شاركاني جلسة الفرح: واحد عن يميني والثاني عن شمالي ،يتخصصُ الأول في مهنة"تجليح السكاكين وقص المواد الحديدية والمواسير"والثاني "طوبرجي"في اعمال بناء المساكن بالبلوك وليس بالحجر!،وكلاهما –بإعترافهما- هربا من المدرسة من الصف الرابع الإبتدائي ، الشعبه"واو"،وكانا يحتلان زاويتي الصف المدرسي !بإعتبار ذلك المكان دلالة على الطلبة "الأقل حظا!"في الإستيعاب والمشاركة الصفية والأكثر شيطنة وشقاوة و"مصا للسجاير!".
وبحكم طلاعي على كيفية تحصيلهما المهني ،فإنهما لم يدرسا في مدرسة مهنية أو صناعية بل أخذا صنعتيهما من الشارع ،فاخذا كل شيء من الشارع أيضا!!
وبعيدا عن الإستطراد نعود للمرشحين الجدد في انتخابات زمن الجوع والبرد(المرشحون الجدد على وزن "المؤرخون الجدد" في كيان العدو!):فالأول الجالس عن يميني المدعو "منشار أبو كوع"أكل إذني وهو يشرح لي كيف تخلى في اللحظة الأخيرة عن نزوله على "قائمة الوطن"لخلافه مع الرئيس والممول للقائمة على ترتيبه!فهو –أي ابو كوع ماغيره- إستمات حتى اللحظة الأخيرة في الدفاع عن الأقصى والوطن السليب ! عفواً :عن الترتيب الثاني في القائمة! لكن حسابات الممول غير ذلك! وأنه يتجه للبحث عن قائمة اخرى يتحقق فيه مُراده!
ولشدة سذاجتي أو بسبب سيطرة الموضوعية العلمية على كياني،سألته:مارأيك لو عدًلت الدولةُ المواد الباقية من الدستور واضافت صوتا ثالث للناخب كي يشارك الجميع في"العرس الوطني"القادم، لما في ذلك من قوة للوطن في ضوء إلتهاب الإقليم؟!
أجاب المدعو"ابو كوع":أنتم الدكاترة مولعون ب"الفلفسة"!(قصده:الفلسفة)..أنا سجلي نظيف عند الدولة!عمري ماشاغبت لابالكلام ولا بالحركة!أنا مرشح خدمات
لكنني أختلف عن كل نواب البرلمان الذين كلهم نواب خدمات أيضا!أنا سانام امام مكاتب وبيوت الؤزراء والمسؤولين ومعي آلات تصوير ألى أن يستجيبوا لمطالبي بتعيين أبناء حمولتي وعشيرتي وأفخاذ قبيلتي و.....(الحذف من الكاتب مراعاة للذوق العام)!!
سكت "ابو كوع"وفهمت منه أنه أجاب إجابة كاملة عن السؤال!لكنني تمنيتُ لو ان الله يجمعني به في واد أو سهل او غابة بعيدا عن الناس كي "ألخمه"ضربة بكفي اليمين أو بكوعي على حنكيه!حيث لاشهود و"لا من شاف ولا من دري!!" لكنني تراجعت عن التمني لأن كوعي وذراعي سيتعطلان للأبد،وقد يتلاشيان ، لكثرة من ينطبق عليه مثل جزاء أمثال المرشح ابو كوع"من الذين يقفزون وينطون من حولنا،أو بتعبير قريبي الشيخ علي الملاحي:"الثليثي ينطُ والحولي ينطُ" وهو تعبير نقله الشيخ من بيئتنا البدوية حيث تغدو الحيوانات الأليفة وغير الأليفة مضرب أمثالنا واسمائنا!
أما قريبي الثاني الجالس عن يساري فقد أكل هو الاخر أذني الثانية لكثرة ثرثرته عن ولائمه لأعضاء مهنته من الطوبرجيه وما جاورها من المهن،و"المؤلفة قلوبهم"والمساكين و"عابري السبيل وسماسرة الإنتخابات وناثرو الولاءات ومتعهدو جلسات المرشحين (القبض على الرأس و"مافيش شيء ببلاش غير العمى والطراش"!! كما يقول مختار حارتنا!).
سألتُ قريبي الآخر:سامي أبو شدحة(الشدحة هي العمود الخشبي الذي يسند بيت الشعر أو الخربوش أو الخيمة،طوله أكثر من مترين،ويستعمل لطرح رؤوس الرجال أثناء المعارك العشائرية بين الحمائل او بين الجيران!!تاريخ مُشرًف!!):لماذا العزائم ياإبن عمي وأنت "رجل على باب الله !يوم فيه شغل وعشرة عطلة"؟!
أجاب إبن العم بثقة:"الله يسامحك يادكتور!ولو !أنت إبن عشيرة!لازم نكرم أهلنا!ثم أنا نازل للإنتخابات على قائمة الوطن وترتيبي الخامس!
وبينما أنا استمع للمرشح أبو شدحة،لمحني عمه "أبو شويرة بلابل" فناداني خارج الصيوان!
-خير إن شاء الله ياأبا شويرة بلابل؟!
-كل الخير بوجهك يادكتور!أنت تعًز علينا !دير بالك من إبن أخي سامي ابو شدحه!أخاف أن "يبلفك"(المعنى:يسرق منك برضاك) بشوية مصاري!لأنه "بلف" من صاحب بناية خمسة آلاف دينار ولم "يطق عنده مسمار واحد!"..ثم أنت لاتعلم ماذا حدث في عزيمته (وليمته)الأخيرة!
-لا!لآأعلم.رددتُ.
-لولا قدر الله ثم فطنة موظف البلدية "زنغو" لأصبحت أنا وانت واهلنا كلهم من النازحين مثجددا وفي حماية قبيلة ثانية وبعيدة!!
-ياستار يارجل!شو القصة؟
-قال عم المرشح أبو شدحة:أولم سامي في المرة الأخيرة ثم إنقطعت الكهرباء فجأة اثناء تقديم المناسف للناس !وكان من بين المدعوين "مدير الناحية"والمخاتير وشلة كبيرة من المهنيين واصحاب العلامات الفارقة في الوجه وخلف الرقبة ! وإمام الجامع الذي هو من قرية نائية!وما أن غرف الشيخ اللقمة الثانيةحتى إنحشرت قطعة من عصعوص الخروف الفيتنامي في حلقه!فاخذ ينطُ ويقفزُ ويضرب كل من وقف عن يمينه وشماله !في وقت واحد مع عطاسه وخروج "المليحية"(شراب اللبن الذي يوضع على المناسف) من فتحتي "خشمه"(أي":انفه!)..ولولا أن تصادف وجود موظف البلدية معه على المنسف ذاته ودقه بيديه على ظهر الشيخ لفارق الحياة !ولأخذتنا الحكومة كلنا للجد السابع!لأن المرشح ومناسفه من الدرجة الثالثة هي التي تسببت بالوفاة لاسمح الله وقدًر!
- قلت ببلاهة وبخوف مشترك:طيب وبعدين شو صار يابن العم؟
-لا بعدين ولا قبلين يادكتور! أفاق الشيخ من أغماءه وولى الأدبار بسرعة وهو يشتم الإنتخابات والمرشحين !ويلعن لحمة خراف العصاعيص الفيتنامية والصينية والبلغارية! ثم وقف فجأة وألقى بعض الجمل،من مثل:"أيها الناس :إياكم وولائم مرشحو قوائم الوطن!إياكم ومناسف الخراف العصعوصية(أي التي من دون ليًه..(.ع الليه اللية الليه وأنا أموت بالليه ....مقطع يتكرر في كثير من أغانينا الوطنية!)!!
إنسحبت من العرس راجعا لبيتي،وقلت في نفسي:"هيك قانون إنتخابات بده هيك مُرشحين وهيك حوادث! ودقًي ياشبابة والدبكة شمالية!!