الناقد والأكاديمي غسان عبد الخالق يدرس أدب الرحلات على
بساط الفكر والمقاربة! 
مراجعة:د.ماجد توهان الزبيدي
يُعتبر أدب السير والرحلات ،منفردا، او ،مُلتحما
في التراث العربي من اغزر النتاجات الفكرية مقارنة مع أي أدب آخر قبل عصر النهضة
،من حيث غزارة الموسوعات والكتب المنفردة في المجالين ،لكن حركة التأليف العربي
إتسمت بردة واضحة في القرن الميلادي العشرين من حيث التدفق والجريان ،فضلا عن نكوص
في توليد نتاجات فكرية ناقدة رصينة وجديدة لرفوف
المكتبة العربية من ذلك النتاج في
الأدبين!
عبر هذه البوابة ،وبوابات أخرى -ستترائ لنا-
يأتي الكتاب الجديد الموسوم ب"بساط الريح:دراسات تطبيقية في أدب الرحلات
"، للزميل الدكتور غسان عبد الخالق ،عميد كلية الآداب والفنون بجامعة
فيلادلفيا ،والناقد والمؤلف والأكاديمي المعروف.
لايوثق المؤلف، ولايؤرخ للرحلات الخمس التي
تناولها ، بل يدرسها ويحللها فكريا
وتقاربيا ومقارنيا واستنتاجيا ،ثلاث منها قديمة وواقعية ،هي:رحلة إبن فضلان لبلاد
التركوالخزر والروس والصقالبة،ورحلة إبن جبير (محمد بن احمد الكناني الأندلسي(
1145-1217م)لمصر والحجاز ،وبلاد الرافدين وصقلية،ورحلة إبن بطوطة(محمد بن عبدالله
..اللواتي الطنجي المتوفى عام 779ه).
أما
الرحلتان الرابعة والخامسة الحديثتان ،فهما :رحلة إبن فطومة لنجيب محفوظ ،ورحلة
إسماعيل في "قنديل أم هاشم"ليحيي حقي،كنموذجين من النتاجات الفكرية
العربية التي ولدت مع تقدم الصحافة والنشر في القرن العشرين الميلادي،والتي خاضت
تجربة المقارنات والمقاربات الحضارية بين الشرق والغرب في ضوء نتائج الحملة
الفرنسية على مصر،التي فتحت عيون المصريين ،وتاليا العرب على العالم الأوروبي مع
مطلع القرن العشرين مباشرة.
وعليه ،فإن منهج الباحث عبد الخالق لم يكن
القيام بتوثيق وتأريخ وحصر لأدب الرحلات بقدر ماقصد إختيار نماذج قديمة وحديثة
يمكن إستنطاقها عمليا من خلال مقاربات تلك الرحلات،وإيراد مقطتفات /إقتباسات
بسيرة ذات دلالة من نصوص تلك الرحلات ثم
التعليق عليها من خلال أسئلة نقدية عميقة ومباشرة تتناول منهج صاحب الرحلة،ثم يعطي
الباحث آراءه الخاصة به من وحي إستنتاجاته وقياسه للأمور.
في فصل الكتاب
التمهيدي يبرز تساؤل الباحث كيف إخترق أولئك الرحالة آفاق آسيا وإفريقيا
وأوروبا على الرغم من كل الظروف والإمكانات المُعيقة،مُلاحظا ان الإندفاع لأداء
مناسك الحج والعمرة وطلب العلم وسفر السلمين وغير المسلمين لعاصمة الثقافة بغداد
وحب الإستطلاع وجوب الآفاق ،هي الأسباب المباشرة لولادة أدب الرحلات العربي ،كرحلة
إبن فضلان الإستطلاعية السياسية المحضة ،إستجابة من الخليفة "المقتدر
بالله"لطلب ملك البلغار "بلطوار"أن يرسل له من يفقهه في الدين وأن يمده بالمال الكافي
لبناء قلعة يتحصن بها من أعداءه اليهود الذين قد إستعبدوه،لكن إبن فضلان وصحبه
يصلون لبلاد الملك ،من دون أن يصل معهم المال لما لاقوه من أهوال فظيعة في الطريق
من قطاع الطرق وللصوص والفقراء والجوعى!
ويُثني المؤلف في السياق ذاته على المستشرقين
الروس الذبن وفروا لمحقق نص رحلة إبن فضلان نسخة باللغة الروسية على الرغم مما
اورده الرجل من وصف لأحوال الروس في مستهل القرن الميلادي العاشر،تقشعر له أبداننا
نحن العرب ،فكيف بالروس أنفسهم؟من مثل جماعية الجنس لدى الجواري، والإغتسال بالماء
القذر ،فضلا عن ثناء المؤلف على منهج إبن فضلان المعتدل والموضوعي في إيراد ما للشعوب
التي يصفها وما عليها ،دون تحيز أو محاباة،يلي ذلك بيان الباحث غسان عبد الخالق
للخصائص الفنية والأدبية الزاخرة في رحلات إبن فضلان وإبن جبير وإبن بطوطة،كتصعيد
ملكة الخيال وإذكاء حسن المغامرة،وركوب المخاطر
وغيرها.
رأى
المؤلف في الفصل الأول:"الذات والآخر بين إبن جبير ونجيب محفوظ " أن أدب
الرحلة يوفر مرصدا متقدما للنقد الحضاري والثقافي ،يختلف عند الرحالة القدماء
عنه لدى كتاب أدب الرحلات المعاصرين ،ذلك أن الأقدمين إنحازوا إنحيازا
واضحا لحضارتهم العربية والإسلامية
وإتخذوا من أصولها وقيمها معيارا وحيدا للحكم والمقارنة لإعتقادهم برقي
عقيدتهم وإنتشار لغتهم العربية وإزدهار ادبها وعلومها ومنعة دولهم على الرغم من
تفكك الدولة العباسية سياسيا وتدهور أحوال رعيتها ،لم يؤد بهؤلاء الرحالة إلى
إعادة النظر في مدى جدارة الذات بإمتياز التفوق الكوني مقارنة مع حضارات الأمم
الأخرى.
ورأى
الباحث أن رحلة إبن جبير تعد اكثر الوثائق التاريخية في التراث العربي إبرازا
للمقاربة الحضارية والثقافية بين الشرق والغرب في ضوء إعتبار "الحروب
الصليبية"أكثر الحقب التاريخية إشتمالا على هذه المفارقة بيم الذات والآخر
،فأطنب الرحالة الأندلسي في الحديث عن
مظاهر الفساد ،بينما رأى،ان نجيب محفوظ
إضطلع عبر روايته "رحلة إبن فطومة" بتوظيف رحلة إبن جبير وإندفع بما ورد
فيها من ملاحظات إلى أقصى حدودها الممكنة ،على نحو يتجاوز نقد الذات وإبراز
مغالطاتها .
ويأخذ المؤلف على إبن جبير بخصوص ماصادفه من
سوء المعاملة وتردي الأحوال في ديار المسلمين في العراق ومصر والحجاز وتبريره
مايحدث بعدم علم الحكام به ،وتعليق سوء أحوال الأمة على فساد البطانة ،وتبريرفساد
امير مكة وعسفه بالناس والدين معا بإنشغال صلاح الدين الأيوبي عنه بحرب
الفرنجة،مما جعل الرحالة يقطع بأن "لا إسلام إلا في المغرب"!!
أما
بخصوص "رحلة إبن فطومة"،فإن الباحث مال للقول أن محفوظ قد إستدخل
"رحلة إبن جبير" بوجه خاص في روايته مع إستفادته من سائر الرحلات ،وأن
لقب إبن بطوطة قد أوحى لمحفوظ بنحت لقب بطله "إبن فطومة" على غراره
،جريا على عادته في "تمصير"شخصياته الروائية.
وأحدس
المؤلف أن ما أفاض به إبن جبير في ذكره من
محاسن في معرض وصفه لمدائن جزيرة صقلية ،مقارنة مع ماذكره من مساوىء في وصفه
لأحوال ديار الإسلام ،هو مادفع نجيب محفوظ لكتابة "رحلة إبن فطومة"
إبرازا للمأساة المتمثلة في عدم إلتزام ابناء "دار الإسلام " بحقيقة
الشريعة ،ومن ثم ضرورة إعادة النظر في مدى جدارة أبناء هذه الدار بإمتياز الإصطفاء
والتفوق والمركزية في ضوء إتجاه أبناء "دار الكفر" إلى التخلق بأخلاق
الإسلام من حيث الصدق والتقشف وتحري العدل وبث الأمن ،وهو مايتجلى في الحوارات بين
إبن فطومة وشيخه"مغاغة الجبيلي"من مثل:"إذا كان الإسلام كما تقول
،فلماذا تزدحم الطرقات بالفقراء والجهلاء"؟ فيرد الشيخ:"الإسلام قابع في
الجوامع لايتعداها إلى الخارج "(ص54).
وخلص المؤلف غسان عبد الخالق في مجال المقاربة
بين الرحلتين أن مهمة نجيب محفوظ في "رحلة إبن فطومة" في غاية الصعوبة
،لأنه مطالب بإطلاق أسئلة لم يجرؤ إبن جبير على إطلاقها من نقد للذات وأسباب
التخلف والإنحطاط ومساوىء الأخلاق في
المجتمع العربي!.. وأن إبن جبير لم يجاوز حدود التأشير إلى حدود النقد الصريح
لأخلاق الساسة والعامة في مجتمع الشرق ،بينما إنطلق محفوظ من حلال روايته الخيالية
من نقطة النقد الصريح لواقع الإنفصام الحضاري
الذي يتلبس العرب والمسلمين على كل الصعد ،لاسيما التجمد الفقهي والفهم الخاطىء
للدين وتقديس الذات ومعاداة الآخر ومعتقداته والإنغلاق الإجتماعي .
وتناول الفصل الثاني من كتاب :"بساط
الريح :دراسات تطبيقية في أدب الرحلات" إستقراء رحلة إبن بطوطة – اشهر
الرحالة العرب والمسلمين- لمدينة القدس ،من خلال ملاحظة ذكية للمؤلف قارنت بين ماكتبه
الرجل في رحلاته عن سائر مدن فلسطين ومدينة القدس من حيث القدر الكبير من التحفظ
والإقتضاب عن أكثر مدن العالمين العربي والإسلامي عمارة وقدسية وحضارة ،أرجع تفسير
ذلك لحداثة سن إبن بطوطة حينما زار القدس وشعوره بالرهبة أمام معالم المدينة
المقدسة وأمام علمائها وصوفييها وعمارتها وأسواقها ،أو لأنه لم يجد من يستضيفه في
بيوتها !!على الرغم من أن صورة القدس وصورة علمائها في الرحلة – حسب رأي المؤلف-
ترتدي أهمية كبرى ،لأنهما تعكسان الوضع النهائي الذي إستقرت عليه المدينة المقدسة
بعد أن وضعت "حروب الفرنجة" اوزارها ،وقبل أن يشمل العثمانيون الوطن
العربي بسلطانهم ،مع ملاحظة أن رحلة إبن جبير قد خلت من وصف القدس لأنها كانت تحت
إحتلال الفرنجة!
لكن المؤلف ينصف الرحالة إبن بطوطة بدقة وصفه
للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية ،وإبرازه التنوع المذهبي والطرق الصوفية
وأصول ومنابت العلماء والصالحين والإيجاز والحذر دون إستطراد أو إطناب .
وركز
الفصل الثالث من الكتاب (ص87-106) على "ملاحظات إبن بطوطة حول الصين"من
خلال كتابه :"تحفة النُظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" الذي يُعد
اكثر الكتب إثارة بخصوص الصين،وأقدم مصادر المعرفة العربية الإسلامية بذلك البلد
الذي مازال مزضع جدل مُحتدم في الغرب والشرق بين المؤرخين والجغرافيين
والإثنوغرافيين.
فقد كانت رحلة إبن بطوطة للصين بتكليف من سلطان
الهند المسلم ،مصحوبا بعدد من أهل العلم والسيف لإبلاغ ملك الصين برد السلطان بعدم
موافقته على طلب إنشاء معبد للصينيين على تخوم الهند إلا إذا دفع الجزية!،وهي رحلة
يستفيض صاحبها في تعداد ماوقع له من أهوال ومفارقات بل ان يصل إلى مدينة
"قالقوط= كلكتا" للإنطلاق إلى
بلاد الصين عبر بحر الصين وهلاك كل اصحابه
مع هدية السلطان في غرق مركبهم ،بعد ان تأخر هو لأداء صلاة الجمعة ،وكيف أصبح
قاضيا بعد ان تزوج في جزائر "ذيبة
المهل =المالديف"ثم وصل بلاد الصين اخيرا من بلاد "طوالسي"بعد سبعة
عشر عاما!
ويوضح المؤلف هنا الملاحظات التي إعتنى بها إبن
بطوطة وذكرها حول الصين من مثل :وصف
المجتمع البحري الصيني والمراكب الصينية وصناعتها وسعتها ،والمجتمع الزراعي الصيني
،وإتساع المساحات وكثرة الخيرات والفواكه والمزروعات وتفوقها في جودتها على
مثيلاتها المصرية والشامية والمغربية،ثم وصف المجتمع الحرفي والفني الصيني المُحكم والمُتقن وخاصة صناعة الفخار
وتفوقهم على غيرهم في فنون الرسم والتصوير،مع إستفاضة في وصف المجتمع التجاري
والمالي وإستبدال الصينيين القطع المالية الورقية حجم الكف في معاملاتهم التجارية
على الذهب والفضة ،وأن أهل الصين أهل رفاهية وسعة عيش من دون تبذير في الطعام
واللباس ،يلي ذلك إيراد المؤلف لسبع ملاحظات حول الرحلة ،وعقد خُلاصة مُقارنة
بين ابن جُبير وابن بطوطة من خلال
دقةالأول في تدوين مارآه وعاينه وقاسه بنفسه مقارنة مع الثاني الذي اعتمد احيانا
على مايسمع من آخرين ،ثم ان رحلة الأول إستمرت ثلاثة أعوام فقط وثقها في صفحات
مستقلة جُمعت في كتاب بعد وفاته ،بينما تعرضت أوراق إبن بطوطة التي وثقت وقائع
رحلته التي استمرت ثمانية وعشرين سنة للسرقة والضياع اكثر من مرة مما اضطره الى
املائها من ذاكرته على كاتب سلطان المغرب الذي صاغها بإسلوبه الخاص،دون أن ينسى
المؤلف ملاحظة وضوح الهدف من الرحلة عند ابن جبير مقارنة مع ابن بطوطة!
يلي ذلك الفصل الرابع الذي خصصه المؤلف غسان عبد
الخالق لرحلة الأديب المصري يحيي حقي في روايته "قنديل أم هاشم"من خلال
قراءة جديدة مؤداها هذا الترافع المأساوي في المشهد السياسي المصري بين تيار
التقليد وتيار الحداثة :ريادة يحيي حقي على رصيد التنازع الفكري المؤلم في عمق
وجدان المجتمع المصري بوصفه نموذجا للمجتمعات العربية المسلمة ،وقصوره النسبي عن
ترجمة هذا التنازع فنيا،وذلك من خلال التأشير على الإنكسارات التي إعترت عملية
الإنماء القصصي لشخصية إسماعيل بطل "قنديل أم هاشم"والتدليل نصيا على أن
هذا البطل قد إنتهى به الحال مهزوما أمام الواقع ومستسلما له وليس مُتصالحا معه او
منتصرا على سلبياته ،إذ رأى الباحث عبد الخالق أن "قنديل أم هاشم" تقع
في منتصف طريق الحوار بين الشرق والغرب عبر أسلوب الرحلة الروائية ،والذي بدأه طه
حسين عام 1934م برواية "أديب" وتلاه توفيق الحكيم عام 1938م برواية
"عصفور من الشرق"ثم مهده "سهيل ادريس عام 1953م برواية "الحي
اللاتيني" وكاد يتمه الطيب صالح عهام 1968م برواية "موسم الهجرة إلى
الشمال" ثم ألحق به نجيب محفوظ إزاحة كادت أن تكون حاسمة في عام 1983م عبر
روايته "رحلة ابن فطومة"،لكن علاء الأسواني أعاد تمهيده في عام 2007م
عبر روايته "شيكاغو"!
ورأى المؤلف أن ماحاول صاحب "قنديل أم
هاشم"أن يقوله بوجه خاص هو بحث مصر عن هوية راسخة وعن شخصية مستقلة وعن ثوابت
تركن إليها من خلال جرأة فكرية لحقي خاصة على صعيد نقض التفسيرات الشعبية الراسخة
للإسلام ،فضلا عن مساءلة المواصفات الأخلاقية للمجتمع المصري،بلغت حدا لو تطرح
الآن لجوبهت بكثير من الإستنكار !!
وقد زاد من قيمة الكتاب،إضافة إلى القراءة
الفكرية والنقدية الجديدة للنتاج الأبرز عربيا في ادب ارحلات ،تضمينه في فصله
الأخير مقتطفات من نصوص الرحلات التي تولى
المؤلف دراستها ونقدها ومقاربتها فكريا !
وعليه ،فإن منهج الباحث عبد الخالق،في كتابه
المُراجع هنا، لم يكن القيام بتوثيق وتأريخ وحصر لأدب الرحلات بقدر ماقصد إختيار
نماذج قديمة وحديثة يمكن إستنطاقها عمليا من خلال مقاربات تلك الرحلات،وإيراد
مقطتفات /إقتباسات، ذات دلالة من نصوص تلك الرحلات ثم التعليق عليها من خلال أسئلة
نقدية عميقة ومباشرة تتناول منهج صاحب الرحلة،ثم يعطي الباحث آراءه الخاصة به من
وحي إستنتاجاته وقياسه للأمور،وهو أمر يُحسب له
*د.ماجد توهان الزبيدي
قسم الصحافة /جامعة فيلادلفيا