معلم الطوبار و"المارلبورو"
خاطرة من قلم د. ماجد توهان الزبيدي
ذهبت يوم السبت الماضي صباحا إلى ساحة تواجد العمال في وسط مدينة إربد ،لعلني احظى بمهني في مهنة "القصارة"،بعد أن أسس الكهربائي "الخراطيم"أو "البرابيش"!
ما إن وصلت ميدان الساعة ،حتى إلتف من حولي حوالي العشرة من المهنيين:أهلاَ بالحجي! شو عاوز يابيه؟ بدك بليط،دهان ،طوبرجي،حداد ،قصًير...!!
نظرت في وجوههم وتمعنت في لهجاتهم فوجدت بينهم الأردني والمصري والسوري!إنهم يؤلفون نسيجا عربيا موحدا!وحدًهم العوز والبطالة وحب العمل والزمن المعيشي الذي لايرحم طفلاً جائعاً أو شيخاً هرماً لايقوى على الحركة ،أو أرملة لاتعرف كيف تؤمن اللقمة البسيطة لأيتام صغار، في وقت تستأسد الحكومات العربية على مواطنيها ولاتكترث البتة لمن يموت جوعا أو عوزا ،وكأن من يموت بسبب الفساد الإقتصادي والمالي والسياسي يموت في اميركا اللأتينية!
لاأعرف كيف تذكرت قولا لعمر بن عبد العزيز- أعدل الخلفاء الأمويين-،نصه:"إنثروا القمح فوق رؤوس الجبال لئلا يقال أن طيرا مات جوعا في بلاد المسلمين"!!!
وبينما أنا في وسط العمال والمهنيين ،أقبل عليً شاب وأخذني بالأحضان صارخا:"أهلا بالدكتور"!و"نوًر الميدان"! نظرت إليه فإذا به محمود!كان يعمل قبل فترة معاونا(كونترول) لسائق إحدى الحافلات على خط إربد- مخيم الشهيد عزمي المفتي/الحصن!
-ماذا جاء بك هنا؟
-أجاب:أنا يادكتور معلم طوبار!لكني تنقلت في مهن عديدة بسبب تقلب فرص العمل!
-رددت:وكيف السوق الآن؟
-" زفت" والحمد لله!إخواننا السوريون توافدوا بالجملة علينا ،وأنت تعرف هم أكثر خبرة ودبلوماسية منًا ،وأقل اجراً!!
تذكرت "معلم الطوبار"! محمود عندما كان ينتقل من مكانه في الأتراح ويجلس إلى جواري ويأخذ يسألني في السياسة العربية والقضية الفلسطينية ،وكيف أنه ذات يوم وقف مع آرائي ضد آراء شقيق له متزمت يقحم الدين المقدس والثابت ، في السياسة المتقلبة!
وتذكرت سريعا أن هذا الشاب الذي عاش محروما ويتيما لم يتح له التعليم والتعلم لكنه يملك وعيا وخبرة في أمور الحياة وخاصة منها الحساسة أكثر وأجرأ بكثير من مئات المعلمين والموظفين وحملة الشهادات العليا!
قطع عليً محمود طيف تذكراتي وبادرني بالقول:"آخ يادكتور!تصور أنني معلم طوبار وبالكاد أجد عملا لبضعة أيام في الشهر!وعندي زوجةً وولداً وبنتا ستلحق به بعد هنيهة من الوقت،وأستأجر بيتا في ضواحي المدينة الفقيرة بمائة دينار ، ولم أدفع الأجرة من شهرين!
وتابع محمود بنفس متقطع يشوبه حزن وألم :"الله يادكتور على أيام الطفولة والمراهقة!أيام كنا نتصيد العصافير ،ونلتقط" الجعدة" و"اللوف" وا"الجلثون"و"العكوب"!آه على زمن النادي ولعب التنس والبلياردو وكرة الطائرة!آه على زمن الدبكات الشعبية على مجوز المرحوم ابوخالد العابد ، وشبابًة المرحوم ابو كمال الحلاق ، والدبكة بقيادة المرحوم ابو هزاع القودة! ليتنا متنا هناك!
أخذت محمود جانبا وطيبت خاطرة وإستنهضت فيه حماسته وجرأته ووطنيته!فما كان منه إلاً وقد إستقوى كحصان جامح:نعم يادكتور لن نيأس!لن نسقط على الرغم من زمن أعراب السقوط!
بينتُ لمحمود أن من أسباب شقاء العرب من أمثالنا هو غياب الوعي العام عند فئات المواطنين وتغوًل حكومات غير منتخبة،وشيوع الفساد بمختلف أشكاله وألوانه ،وغياب القوانين الحضارية التي تضعها حكومات منتخبة،جنبا إلى جنب مع أطماع الغزاة وقوى الإحتلال التي تنسق في عدوانها على العرب مع أعراب! وأن المواطن نفسه يتحمل أحيانا قسطا من مآسيه!
رد محمود:فهمت كل شيء إلاً الكلمات الأخيرة!
انت يامحمود خير دليل على ذلك!أنظر لنفسك تشتكي العوز وتدخن سيجارة"مارليبورو"!كم ثمنها؟
اطرق محمود رأسه للأسفل واجاب :عشرة قروش!
يعني ثمن العلبة ديناران !أتعرف ماذا يمكن أن تشتري بثمن العلبة الواحدة من الدخان؟ أحسب على أصابعك:كيلوغرام من الأصناف التالية: باذنجان،قرنبيط،بطاطا،فلفل أخضر حلو،خبز مدعوم،سبانخ ،كلمنتينه،صحن حمص يكفي لعشاء عائلتك!
صرخ محمود:الله أكبر يادكتور كل هذا أشتريه؟
نعم يامحمود وأنا لاأمزح في هذا الحديث!
أقسم محمود على الإقلاع عن التدخين، ثم رمى أمامي "الولاعة"وكسرًها تحت قدميه!
قلت لمحمود مودعا:إعلم ياصديقي أن الدخان يجلب الذلة والمذلة !وأنه عادة سيئة جدا ،وأن من يدخن ويشتكي من ظروف الحياة المادية قليلا مايحترمه السامعون!وأن المدخن لن يعرف يوما التوفيروالتدبير،وأن التدبير نصف العيش ياصاحبي!وأنه لايمكن لأحد أن يدعي الفكر السياسي أو التحدث بحرية أو شبه حرية في أمور السياسة العربية الذيلية والتابعة دون أن يكون مستقلا أو قريبا من الإستقلال الإقتصادي!وأن ذلك الإستقلال لن يتأتى للمرء من دون تدبير وعزوف عن اكثر من سبعين في المائة مما إعتاد عليه العامًة أو الناس! هناك ثمن كبير يدفعه ويبقى يدفعه من أراد التميز عن الاخرين يامحمود! وأن أقسى أنواع الذل يامحمود قد لايكون إحتلال الأوطان في مقاييس الأفراد! بل هو التذلل للآخرين في طلب المال أو إستلافه !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق