روّاد الصحافة العرب زمن الحكم التركي للوطن العربي!
د.ماجد توهان الزبيدي
بسطت الدولة العثمانية سيطرتها العسكرية والإدارية على الوطن العربي إثر
معركة دابق مع المماليك عام 1516م ،وغادرته عام 1918م ،عقب نتائج الحرب العالمية
الأولى ،عاشت الدولة والعرب معا طيلة الفترة الطويلة بين حد السيف وقذيفة المدفع
من جهة ،وبين الجباية والفقر والجهل "وسفر برلك"من جهة ثانية!
لم يكن في الدولة العثمانية قوانين
مطبوعات ونشر ذات مروحة حريات واسعة نتيجة خوف قادتها من تأثير وعي شعوب وجماعات
الإمبراطورية على تماسكها وقوتها ،إلى أن أجبرت الدول الغربية المتنفذة في منتصف
القرن التاسع عشر كفرنسا وبريطانيا ، سلاطين الآستانة على تغيير مواقفهم من
الحريات الممنوحة للأقليات الدينية والإثنية في بلاد الإمبراطورية ،ومنها حرية
الصحافة، لاسيما البداية البسيطة لفتح مروحة حرية الصحافة بعد زيارة السلطان عبد
العزيز لباريس عام 1867م عندما دعاه نابليون الثالث لحضور معرض باريس الدولي
،ومشاهدته على أرض الواقع، لحضارة الأوروبيين ،لكن بداية عهد السلطان عبد الحميد الثاني شهدت حرية
واسعة للصحافة،إلا أن "خشية عبد الحميد على حياته من تمادي الصحافة جعلته
يصدر أمرا بتقييد حريتها ،وضيّق عليها المراقبة حتى غدت جسدا بلا روح،وأصبحت تقتصر
على عبارات التمجيد ،بالسلطان و"الدولة العلية""!-على حد
تعبير مؤرخ الصحافة العربية أديب مروة-!
ومن أوائل المفكرين
والصحافيين الذين ساهموا في إنشاء الصحف ،في العهد العثماني :رزق الله حسون المولود بحلب ،الذي يعتبر أول عربي يصدر صحيفة
هي "مرآة الأحوال"في إسطنبول عام 1855م،ثم تلاه بعد ثلاث سنوات خليل
الخوري اللبناني صاحب "حديقة الأخبار"عام 1858م ببيروت
،والتي هي أول صحيفة عربية مستقلة يصدرها عربي في البلاد العربية،في حين أصدر
اللبناني إسكندر شلهوب ،بإيعاز من
السلطان العثماني صحيفة "السلطنة"في القاهرة عام 1857م ، لتشويه
سمعة أسرة محمد على بين المصريين لكنها لم تعش اكثر من عام ،بعد مقاطعة معظم
المصريين لها لإكتشاف غاياتها ،ثم أصدر،في العام 1858م، رشيد الدحداح ،اللبناني ،في باريس جريدة :"برجيس باريس وأنيس الجليس"،لتصدر
بعد عامين (1860م)اعظم الصحف العربية في زمنها:"الجوائب"العربية"،
لكبير مفكري العرب في القرن التاسع عشر أحمد فارس الشدياق المصلح والمفكر
والصحافي والمربي وصاحب كتاب :"الساق على الساق في ما هو الفارياق"،كانت
صحيفته الأولى في إنتشارها حيثما كانت
اللغة العربية منتشرة،والأولى أيضا في شرح احداث السياسة العالمية ،وإستمرت في
الصدور قرابة ربع قرن متواصلة دون إنقطاع ،وهي إلى جانب "حديقة الأخبار"في
بيروت و"الوقائع المصرية"في القاهرة من أهم صحف ذلك الزمان!
وساهم المفكر العربي الماروني
الشهير بطرس البستاني صاحب ومؤلف
عشرات الكتب والأبحاث اللغوية والمعاجم ،وأشهرها ""محيط المحيط"(اول
معجم عصري بالعربية في مجلدين عام 1870م)و"دائرة المعارف"(أول موسوعة وطنية قائمة على المنهج الحديث في التأليف) ، وأنشأ منفردا ومشتركا مع نجله سليم، أربع صحف شهيرة هي :"نفير سورية
"تحوي رسائل وطنية
مكتوبة بلغة مفهومة وأسلوب واضح، موجهة إلى المواطنين السوريين «لشد عرا الألفة
والمودة بين الناس». وقد ظهر في هذه النشرة ثلاثة عشر نفيراً في الفترة بين أيلول
1860 ونيسان 1861. وقد أراد البستاني من خلال جريدته «نفير سورية» أن يقرع
جرس الإنذار لإيقاظ السوريين من خطر الحرب الطائفية التي كانت تعصف بوطنهم،والثانية:"الجنان".صدرت عام 1870م مرتين في الشهر ،كان شعارها
:"حب الوطن من الإيمان"وإستمرت سبع عشرة سنة على صدورها
،والثالثة :"الجنة"(1870)اسبوعية سياسة تجارية ادبية وتوقفت عام 1886م بسبب اشتداد الرقابة على
الصحافة العربية في لبنان وسوريا، وهجرة معظم الصحف والصحافيين العرب لمصر تحت
حماية والي مصرالثائر على سلطان الاستانة! والرابعة:"الجنينة"(1871م)
السياسية والتجارية لصاحبها سليم بطرس البستاني ،،وهو اول صحافي عربي حاول
اصدار جريدته يوميا ،وعاشت اربع سنوات ونيفا.
ونجد من المفكرين الذين اصدروا صحفا في العهد
العثماني:عبدالله النديم ،المولود بالأسكندرية عام 1843م الأديب والشاعر والكاتب ،والذي إشترك مع اديب إسحق وسليم النقاش في تحرير
صحيفتي "المحروسة"و"العصر الجديد" ثم اسس جماعة
سرية بإسم "إتحاد الشبيبة المصرية" طالبت بسن قانون ينظم علاقة
الحاكم بالشعب ويمنح الحريات الخاصة والعامة ، ومنها حرية الصحافة، ثم انشا جمعية
"مصر الفتاة"بصورة علنية تحت إسم :"الجمعية الخيرية
الإسلامية"،إلى أن أنشا جريدة أسبوعية
دعاها :"التنكيت والتبكيت "ظاهرها هزل مضحك وباطنها جد
أليم،ثم إستبدلها بجريدة "الطائف"عام 1881م التي نفخت في ضرام
الثورة العرابية، وكانت ميدانا للثائرين من حملة الأقلام،ثم اصدر بعد عودته من
المنفى صحيفته الثالثة "الأستاذ"فكانت صورة جديدة عن صحيفته
الأولى "التنكيت والتبكيت"، مما حمل الحكومة على إبعاده ثانية،
فاقام في الآستانة ألى ان توفي عام 1896م.
وجاء العالم والمحقق والأديب
والشاعر إبراهيم ناصيف اليازجي ، الذي ضبط صيغ التوراة ونقّح عباراتها طيلة تسع سنوات عندما تُرجمت للعربية ،وأصدر
بالقاهرة عام 1894م مجلة "البيان" ثم إستقل بمجلة أخرى بإسم "الضياء
" وبقي يصدرها لعام 1906م،في حين برز ايضا "أديب إسحق المولود
بدمشق عام 1856م وعمل في الصحافة ببيروت
والقاهرة والإسكندرية التي أسس فيها
بإقتراح من جمال الدين الأفغاني "جريدة مصر " وكانت ميدانا لأعظم
كُتّاب مصر، صال فيه الأفغاني وجال ،ثم
اصدر جريدة "التجارة"عام
1878م بصورة يومية ،وكان ل"تطرف" الجريدتين الوطني والقومي السبب في وقف
السلطات لهما!ثم أسس أديب في باريس مجلة سياسية شهرية بإسم:"مصر القاهرة"
ثم عاد لمصر بعد سماح السلطات له وأصدر
جريدته "مصر".
ومن أبرز
الصحف العربية التي صدرت في أواخر العهد العثماني ،على سبيل المثال:
1- المقتطف :مجلة أدبية
علمية راقية اسسها ببيروت يعقوب صروف وفارس نمر سنة 1876م ثم أنتقلت للقاهرة عام 1884م لشدة الرقابة
العثمانية وتوقفت عن الصدور عام 1952م
2- اليعسوب:أول مجلة
طبية بالعربية في العالم أصدرها محمد علي
البقلي ومحمد الدسوقي عام 1865 في القاهرة.
3- الأهرام:أصدرها بالإسكندرية
الشقيقان اللبنانيان سليم و بشارة تقلا ثم
نقلت للقاهرة عام 1898م
4- الوطن (1877م)أول
جريدة قبطية بمصر.
5- المقطم (1889م)لأصحابها
يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس
،كانت تناصر الإنجليز .
6- المؤيد(1889)لصاحبيها
الشيخين: علي يوسف واحمد ماضي ،كانت تعبر عن أماني الوطنيين المصريين وتنطق بلسان مصر الشعبية، ومن ابرز كتابها: محمد عبده وسعد زغلول وقاسم امين ومصطفى كامل .
7- الهلال (1892م) نشأت
في القاهرة ،وهي واحدة من ارقى المجلات الأدبية للبناني جرجي زيدان وماتزال تصدر .
8- اللواء(1900م) للقائد
الوطني المصري مصطفى كامل، وكانت شعلة
ملتهبة من الوطنية الخالصة ضد الإنجليز.
9- فلسطين (1911م)
أصدرها في يافا عيسى العيسى وإستمرت كأعظم صحيفة في فلسطين حتى العام 1967م،عندما
صدر قرار حكومي بإغلاق كل الصحف والمجلات في ضفتي نهر الأردن اواخر شهر آذار /مارس
1967م.
والواقع انه صدر في العهد العثماني مئات
الصحف العربية معظمها لم يُعمّر طويلا ،لكن أكثر الصحف صدر في مصر ولبنان ،إذ في
عقد واحد صدر في مصر حوالي مئة جريدة على أثر صدور صحيفتي: المؤيد والمقطم في مختلف المواضيع والإتجاهات ،كانت كلها بإستثناء صحافة مصر تحت بطش الوالي
العثماني، والموظف المُختص برقابة كل
ماينشر، والذي يُدعى ب"المكتبجي"والذي من صلاحياته ضرب الصحافي العربي
الذي يمس بهيبة "الدولة العلية"فلقة، ببيته !وهو ماحصل مع صحافيين
لبنانيين عديدين منهم المرحوم سليم سركيس،مما إضطر أكثر من ست عشرة صحيفة لبنانية
ومحرريها للهجرة الجماعية لمصر .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق