عندما رفعت الدولة الأحكام العرفية وأوقفت تعطيل الحياة السياسية إثر احداث معان في نيسان عام 1989م وما ترتب عليها من زيادة في فتحة نافذة الحريات، تفتقت رؤية الدولة عن قانون عصري للإنتخابات،حظي بإحترام الأردنيين والعرب والعالم، أنتج مجلس برلماني محترم حظي بتمثيل صحيح للأردنيين وجاء بنواب في غالبيتهم أهل وعي ورأي وغيرة حقيقية على مصلحة الوطن وحاضره ومستقبلة وابرز حراكا سياسيا وحزبيا مسؤولا جعل من الأردن في مصاف الدول النامية التي بدأت تسعى بجدية لإحترام منظومة حقوق الإسان التي هي أساس التنمية والتقدم الصحيحيين في عالم اليوم القائم على الشفافية والفضاءات الرقمية المفتوحة،الأمر الذي أخرج البلاد من حالة التكلس التي أصابت جسد الدولة وكادت أن تصل إلى منطقة الرقبة فالدماغ لولا إنقاذ البلاد في اللحظة الأخيرة من خلال التحول آنف الذكر في العام 1989م.
إلا أنه للأسف الشديد عادت البلاد في العام 1993م تدريجيا لروح الأحكام العرفية وقمع التفاؤل الشعبي العام من خلال الإنقلاب على قانون الإنتخابات البرلمانية والمجيء بقانون الصوت الواحد الذي أقل مايقال في مساوئه أنه فتت الدولة والمواطنة وغيب الهوية الجامعة للمواطنين وأوجد مئات الهويات القبلية والمناطقية وارجع البلاد والعباد إلى منظومة متخلفة من الممارسات والسلوكيات ووقف وراء موجات عنفية أصابت كل أجزاء الوطن ،فضلا عن تراجع مزري في نظرة المؤسسات الدولية الحقوقية والإنمائية لسجل الأردن على صعيد التنمية السياسية والبشرية،في حين كان الأردن السباق لتأسيس وزارة تنمية سياسية ممولة حكوميا لم يضع على رأسها جنرال امني او عسكري متقاعد بل رجل معارضة مزمنة !!
إن الأردنيين كل الأردنيين يستحقون برلمانا قائما على قانون يجمع اجزاء الوطن وشتات الشعب وينمي من وتيرة الحزبية لدى مواطنيه ويبعد شبح القبلية والعشائرية والمناطقية وكل صنوف إأصطفاف المواطنين المتخلفة والرجعية التي ستأكل الوطن قبل أن تأكل حالها فيما لو ترك لها العنان! وان ألأردنيين لايستحقون هذا القمع القانوني لتوجهاتهم القانونية بذريعة رغبة حكومات بتحجيم حزب ما!! وواهم من يعتقد أو يطن أن تقسيم الوطن إلى عشرات الدوائر الحقيقية والوهمية يمكن أن يعطي صدقية تمثيل البرلمان للناس!إنه يعطي صدقية تمثيل للعصبيات المتخلفة التي عطلت تنمية البلد السياسية والزراعية والصناعية والحضارية،ويأتي بأشباه متعلمين وأصحاب تجارب ومعاناة ،ليس لهم من مؤهلات حقيقية سوى وفرة المال ورشوة الناس لكسب أصواتهم،وبالتالي لو كان جائزا أن تعين السلطة التنفيذية أعضاء البرلمان لكسب الشعب ممثلين أكثر تجربة وصدقية وكفاءة مما قد يأتي به قانون تم تفصيله على مقاسات عصبية ضيقة ،أبعدت المواطنين من أهل الفكر والوعي والتجربة والمصداقية والوطنية الجمعية والغيرة الحقيقية على مصالح الوطن ...
ولايعقل البتة أن الأردن في الخمسينيات من القرن الماضي كان في مقدم دول العالم الثالث كله في قوة ونوعية الأحزاب والحزبية وقوانين الإنتخابات وقوة البرلمانات ونوعية البرلمانيين ثم ينتكس في القرن الحادي والعشرين الى درجة متأخرة كثيرا عن الشقيقة موريتانيا الصحراوية والفقيرة !!
لايقبل غالبة الأردنيين في ضوء التحولات الخطيرة في المنطقة أن يبقى الأردن وكثير من الدول العربية في حالة عجز كلي عن تأسيس برلمانات حقيقية ،والبقاء في بيئة مؤسسات هي أقرب ماتكون إلى مجالس موظفيين حكوميين ،أقرب ماتكون إلى مجالس ومؤسسات الحزب الشمولي الواحد ،الذي لايتقن أعضاؤه سوى التصفيق وعبادة الأمين العام الأوحد!! في حين أن الغزاة أطاحوا ببلد عربي في أيام ولم ينفع الأمة أعضاء الحزب المسجلين الذين وصلوا إلى سبعة ملايين ،وأن عربة خضروات أطاحت بحزب تأسس في العام 1920م ولديه عضوية تربو على مليونين ونصف المليون !
كل ذلك يجري عربيا في حين أن دولة العدو الصهيوني تحكم المنطقة من خلال برلمانها وحكوماتها النبثقة عنه! ويجد الإحتلال الإسرائيلي البغيض لأرضنا العربية تفهم ومساندة دول العالم بسبب تقدم العدو في منظومة حقوق الإنسان اليهودي وشفافية قوانين الإنتخابات البرلمانيةالتي جعلت من كل كيان العدو دائرة إنتخابية واحدة، فضلا عن نزاهة الإنتخابات البلدية والمهنية لديه ،في حين أن معظم دولنا العربية ماتزال تعيش مرحلة القرون الوسطى سياسيا وإقتصاديا وحقوقيا ومازلنا نتجادل في مدى شرعية وفائدة النقابات والأحزاب ونعتقل أهل الفكر والراي لمجرد كلمات، ونراقب بحزم تشكيل الجمعيات والإتحادات ومقالات الصحف وتأسيس القنوات التلفازية في عالم شبكات المعلومات التي داست على عيون الرقيب ودخلت كل زوايا البيوت دون إستئذان!
آن الأوان أن يعرف كل مدع للوطنية أن الأوطان لا ولن تبنى أو حتى تستمر دون إطلاق منظومة حقوق الإنسان كافة،التي هي وحدها تنتج حلولا خلاقة لمنعة الوطن وتعافيه ورقيه وإزدهاره وإقتصاده وبقاءه وسيادة مواطنيه وعلو كرامتهم وجباههم ،الأمر الذي يتطلب من دون تأن دفن كل القوانين الدائمة والمؤقتة التي تجافي طبيعة الإنسان التحررية والحقوقية ،و إصلاح السطة التشريعية وإحترام دور المجاكم المدنية وإستقلال القضاء إستقلالا تاما وحقيقيا، وإلغاء كل أنواع المحاكم غير المدنية والشرعية،وتكريس الهوية الجمعية للوطن عند الناس بدلا من النفح تحت نار العصبيات التي إن جاعت ستأكل أول ماتأكل النافخ تحتها!! ذلك أننا نواجه أزمات إقتصادية هائلة وفظيعة لن يهدي من نتائجها السلبية سوى إحترام حقوق الإنسان وصدقية تداول السلطات سلميا وإختيار الإنسان المناسب علميا وفكريا في كل الوظائف ،والإعتماد على المقدرات المحلية وتنميتها ،ووقف المراهنة على الآخرين إقتصاديا وسياسيا ،ولجم كل المؤسسات والأفراد الذين يمتهنون تقسيم الناس وتفسير نواياهم أو التشكيل في ولائهم وإنتمائهم الوطني ،وكسر كل المقاييس والموازين التي إبتدعها جهلة لقياس درجات وطنية الناس ،وإبتكار ميزان ومقياس واحد وحيد تكون مادته صلبة مصنوعة من الإبداع والعطاء والإنتاج وليس من مواد ثبت فساد معدنها وإنتهاء صلاحيتها منذ زمن ولى وإندثر ، ولنا في إنتخاب الرئيس الأميركي الحالي أكبر تجربة ،وفي تداول المناصب لدى عدونا أكبر الأدلة، ذلك أن العرب قالت قديما: "السعيد من وعظ بغيره" او كما يقول المثل الإنجليزي"الذكي من يتعلم من أخطاء الآخرين ، أما الغبي فمن نفسه"!!
إن الدعاء وحده لايكفي ،وان المراهنة على الزمن في التداوي لن يجدي ، وأن الرزق لم يعد يهطل من السماء،بل غستقر في الأرض!!،وأن البقاء على الحال ذاته سيجلب التكلس فالعجز فالموت ،وأن زمن المعجزات والوحي توقف منذ أن صعد سيدنا جبريل عليه السلام ، للسماء آخر مرة، ولم يعد يرغب بالعودة لكوكبنا!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق