الاثنين، 24 يناير 2011

جهاد قبيلة عرب الصقر ضد الإحتلالين البريطاني والصهيوني:حقائق لأول مرة


قليل هم الكتاب والمثقفون العرب الذين يعرفون أقل التفاصيل عن حياة وجهاد بطل قصيدة :"سرحان والما سورة" للشاعر العربي الفلسطيني  التقدمي ،المرحوم توفيق زياد أبا الأمين ، رئيس بلدية الناصرة المحتلة منذ العام 1948م، ذلك ان رائعة الشاعر :"سرحان والماسورة"التي تم تلحينها وغنائها من قبل فرقة العاشقين الفلسطينية،أمست تتردد على ألسنة الأطفال والشباب العربي خاصة في المناطق العربية التي تواجه الغزو والإحتلال كما في فلسطين ولبنان والعراق.

     إن سرحان هو الإسم الحركي لقائد ثورة الفلسطينيين العرب في منطقة "بيسان" في العام 1936 والتي عرفت بالثورة الفلسطينية الكبرى - التي كادت أن تحقق الإستقلال الفلسطيني لولا مراهنة كثير من الدول العربية السبع آنذاك ، على دور سياسي لدولة الإحتلال بريطانيا! مما أجهض الإضراب الفلسطيني الطويل،وأعطى فرصة ثمينة للعصابات اليهودية كي تلتقط انفاسها وتعيد إستقبال المهاجرين وتخزن السلاح من معسكرات الجيش البريطاني-.

            سرحان هو القائد الشهيد حسين علي ذياب درويش الزبيدي ، من قبيلة عرب الصقر التي كانت تقطن منطقة جنوب مدينة بيسان، والتي كانت تمتهن تربية المواشي والزراعة معا ، وعرف عن ابنائها نزعتهم الوطنية والعروبية والإستقلالية،إذ إنخرطوا مع القائد العربي الفلسطيني الإستقلالي "ظاهر العمر الزيداني" حاكم المنطقة من عكا حتى مدينة صور اللبنانية،وساهموا معه في إقامة مايمكن تسميته: أول دولة عربية فلسطينية مستقلة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي،وصل فيها الأمن وألأمان درجة غير مسبوقة في كل المنطقة ، إلى درجة أن المرأة الجميلة كانت تقطع البلاد دون أن يتعرض لها أحد!

            وتعرض بعض قادة هذه القبيلة العربية للنفي إلى  روديسيا وقبرص بناء على أوامر جيش الإحتلال البريطاني،نظرا لدورهم في تحريض أهالي مناطق بيسان على العصيان والثورة ومقاومة المستعمرين الصهاينة والإنجليز معا.

       وعرف عن قبيلة عرب الصقر مآثر جليلة، لاسيما حب الوطن ونصرة المظلومين ، من مثل: مساندتهم بعشرات الفرسان لقبيلة بني عباد او العبابيد في منطقة البلقاء الأردنية ، وقتلهم للحاكم الظالم في قرية "سلامة" الجليلية عندما أراد أن يتزوج عنوة وبالإكراه من  فتاة في مقتبل العمر من دون موافقتها أو  ولي أمرها  ، فجاء أهلها قبل موعد الزواج يطلبون عون عرب الصقر لوضع حد لظلم الحاكم الغريب عنهم ،مما أدى إلى  هجوم فرسان عرب  الصقر مع الفجر على حامية القرية، وقطعوا رأس الظالم ،ثم ذهبت الحادثة مثلا مايزال  فلسطينيو الجليل يرددونه ونصه: "اللي رأسه حامي يركض على سلامه"!
!

تتحدث القصيدة الرائعة لتوفيق زياد أن سرحان أستشهد في معركة نسف أنبوب النفط العربي - الذي أقامته بريطانيا لخدمة توسعها العسكري والإقتصادي، والممتد من مدينة كركوك العربية بالعراق حتى مدينة حيفا العربية بفلسطين - إلأ أن الصحيح أن الشهيد جرح في هذه المعركة ولم يستشهد ،وواصل نضاله وشارك مع مجموعة من الفدائيين من أبناء قبيلته في عدة معارك طاحنة مع الإحتلال البريطاني البغيض.
يقول زياد:
      (لم يعد سرحان من ليلته تلك...ولكن في الصباح نشرت بعض الجرائد:(نسف ماسورة بترول بتل الحارثية..فجر الأنبوب إرهابي مطارد ..وجد البوليس بعد البحث رجلا بشرية وبقايا بندقية وهوية..إسمه الكامل حسين العلي من عرب الصفر ولكن بعد لم تعرف تفاصيل القضية)

   ومن المعارك الأخرى العظيمة التي لم ينشر عنها إلأ الآن ،إغتيال الشهيد القائد حسين العلي لمدير المستعمرات الصهيونية في منطقة بيسان المدعو "حاييم".

    كان سرحان وقبيلته ومواشيهم ومزارعهم وبيوتهم عرضة على الدوام لمضايقات المستعمرين الصهاينة،تحت حماية جيش الإحتلال البريطاني ومساندته،مثلما هو حال أهلنا العرب الأبطال الصامدين الآن في قرى وبلدات ومخيمات الضفة الغربية والجولان المحتلين في مواجهة قطعان المستعمرين الصهاينة!

       يوضح الشاعر زياد ذلك بقوله:

  (مرة في الطريق مشوه على ألواح صبار برجل حافية وهوى العسكر بالسوط على ظهره نارا حامية ..كسروا السكة والعود وساقوا الماشية، وبأعقاب البنادق حطموا السدة والباب وكل الآنية..نسفوا البيت وصاحوا:"أنت ياإبن الزانية" ..ساعة الميلاد جاءت ..هكذا في ثانية).

          وكانت تنتشر بين شباب عرب الصقرمن الفدائيين  قصصا وحكايات  تمجد وتعظم المسدس الذي يحمله "حاييم"لما يتمتع به من شبه برشاش صغير ، قد يكون الوحيد من طرازه في فلسطين آنذاك!

        أقسم سرحان أمام فدائييه الصقور  ليقتلن "حاييم"بطلقة واحدة من بندقيته الألمانية ، وأن جميع أهالي عرب الصقر من رجال ونساء وصبيان ليرون المسدس العجيب!

         ولكي يبر القائد الشهيد بقسمه كمن  غربي نهر الأردن ،على جانب الدرب الترابي الذي يربط مدينة بيسان بالنهر!وما أن وصلت سيارة مدير المستعمرات إلى حوالي  مائة متر من الكمين حتى دوت طلقة سرحان الوحيدة  من شباك السيارة لتغور في عنق "حاييم"،تلا ذلك إنقضاض سرحان على مسدس القتيل!

    كان سرحان بدويا عربيا ماهرا في القتص ،إذ كان في صغره يرعى الماشية ويستخدم "خرطوش"أهله في قتل الضباع والذئاب التي تهاجم قطيعه ،وكثيرا ماكان يصيد العصافير والحمام مما أكسبه شهرة واسعة في دقة الإصابة والقنص ،أهله لاحقا كي يتقدم على رفاقه في قيادة سرايا الجهاد.

   يصف زياد الشهيد حسين العلي ، بعد أن تتبع سيرته من بعض  ذويه الذين لجأوا إلى حي "يافة الناصرة" ومن بعض المجاهدين الذين خاضوا مع الشهيد معارك الشرف والكرامة:
(يقظا مثل حمار الوحش كان ..وككلب الصيد ملفوفا خفيف...وشجاعا مثل موج البحر كان ومخيفا مثلما النمر مخيف)   
                   
          من معارك الشهيد ومجموعته من أبناء عرب الصقر البواسل،التي يكتب عنها هنا لأول مرة ، معركة نهر العاصي قرب مدينة بيسان ،وملخصها أن الشهيد حسين علي ذياب درويش الزبيدي،علم من من أحد عيونه المتجولة في أرجاء المنطقة ،أن سرية لجيش الإحتلال البريطاني تستحم في بركة من مياه النهر  تحرسها دبابة، يعتليها جندي ورشاش!

       جهز فدائيو عرب الصقر أنفسهم كلمح البرق بعد أن بين لهم القائد الشهيد أنه سيتولى أولا قنص جندي الدبابة والإستيلاء على رشاشه، ثم يتولون هم  "رش"رؤوس الأوغاد في بركة الماء!!وهكذا كان! طلقة واحدة من القناص الشهير أردت الجندي متدحرجا من على برج الدبابة، وحولت طلقات "بواريد" الثوار الصقور ، الماء من لونه الصافي الى الإحمرار ،ومن لم يمت بطلقة ، مات من جبنه غرقا!

     كان القائد الشهيد ،أو كما يسميه القائد الكبير توفيق زياد في قصيدته "صقر الصقور" ، يعتمد في إرسال التقارير العسكرية والمطلبية إلى قيادة الثورة في مدينة دمشق،على شاب- صغير الجسم ،يمتلك قلب أسد ، أمين ،وفي، وقليل الكلام - يقود قافلة من  البغال،  لنقل السلاح والمؤن والملابس من عاصمة الأمويين والعروبة إلى عاصمة الغوروالبرتقال(بيسان)،إنه:البطل عبد الرحمن نويران ابو خالد ، الذي كان يرتدي نظارة ويوهم جواسيس الحدود  أنه "دكتور"..وهكذا سرى هذا اللقب عليه ، وتلبسه إلى وفاته في نهاية السبعينيات من القرن الماضي في مخيم الحصن بالأردن، ثم مايزال اللقب يطلق على ذريته من بعده ، من القاطنين  في المخيم ذاته حتى هذه اللحظة،ولا يعرفون إلا به!

               ومن مفارقات القدر أن ولده البكر "خالد ابو فارس"كان أحد أبطال معركة الكرامة وأحد جنود الجيش العربي الأردني الباسل، وفقد ساقه الأيمن في مواجهة جيش الغزو الصهيوني ، عندما إجتاح في الحادي والعشرين من آذار/مارس عام 1968م منطقة جسر داميه والعارضة والكرامة في غور الأردن ،ثم مني بهزيمة قاسية على أيدي فرقة الجيش الأردني الباسل بقيادة القائد الكبير المرحوم مشهور حديثة الجازي ،وقوات الفدائيين الفلسطينيين بقيادة القائد الكبير الشهيد ياسر عرفات(ابو عمار)،في واحدة من أهم المعارك التي توحد فيها الدم العربي المشترك من عروق وأوردة عرب شرقي نهر الأردن المقدس(نهر الأردنيين والفلسطينيين وحدهم) وغربه.

   كان "الدكتور"يقطع المسافة من حدود بيسان إلى حدود دمشق في ليلة واحدة! ومثلها في الإياب..كان يمشي كالذئب يقفز على الأشواك والحفر ،لايهمه جبل او قاع او جاسوس أو ضبع..كان مسدسه محشوا بالرصاص طوال الوقت وكانت يده طيلة المسافة على الزناد!
   
   وأشهد للتاريخ أن خالة والدي (رحمهما الله) كانت جارة لصيقة للبطل "الدكتور"في مخيم الحصن حتى وفاته، وكثيرا ماجالسته في  لقاءات عامة ،لم أذكر قط أن تحدث المرحوم فيها  ولو بكلمة عن دوره النضالي الكبير أو عن مغامراته والأهوال التي كان يصادفها طيلة مرحلة الثورة الفلسطينية الكبرى،1936 – 1939م...كان تلميذا وفيا في تقليد قائده البطل سرحان الذي تعلم من الحياة أن الصمت في مقارعة الأعداء ومنازلتهم وعدم المباهاة أو الجهر في انجازات الميدان واجب وطني، مادامت الأرض والعباد لم تنعم بالحرية بعد! 
 وقد أخبرني الشيخ عبدالله راشد المرشد عرب الصقر ابو سليمان _عمره الآن تسعون سنة أو يزيد- ويقطن في بلوك 4 في مخيم الحصن ، أنه كان في الخامسة عشرة من عمره عندما إشترك في المعركة التي أستشهد فيها القائد سرحان في جبينه مواجهة مع سرية لجيش الإحتلال البريطاني باغتتهم فجأة في أحد بساتين بيسان.
في الجزء الأخير من قصيدة "سرحان والماسورة" يقول زياد:
)شيعوا لبني عمومته يجيئوا بالطبول والزمور..خبروهم أنه قد عاد من غزواته صقر الصقور..وزعوا الحلوى وأكياس الملبس للكبير وللصغير).

 رحم الله الشهيد حسين العلي عرب الصقر وكل إخوانه  الشهداء من فدائيي الأمة العربية الماجدة منذ معركة بدر الخالدة إلى  حربي تموز والفرقان في جنوبي لبنان وفلسطين،ذلك أنهم منارات أجيالنا لتطهير الأرض العربية من دنس قوى الغزو والإحتلال الأجنبية.
                                                                                                        
          

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق