خالتي البحراوية"،أو،سيدة الإنتاج والإكتفاء الإقتصاديين!
د.ماجد توهان الزبيدي
على المدخل الشمالي لمخيم الحصن/ الشهيد عزمي المفتي،من جهة بلدة الصريح(الصريح هو الصافي من اللبن!)،يقع بيت منزل المرحوم عمر حامد الخضور (الفقهاء)من أهالي بلدة طوباس الكرام.
توفي صاحب البيت باكرا وصار الناس يعرفونه ببيت "البحراوية"نسبة لسيدته الفاضلة "آمنة البحراوي"،أم محمد ومحمود واحمد وجمال،والتي توفاها الله الأسبوع الماضي،بعد حياة حافلة بالعطاء والإنتاج المتواصلين ،إستحقت بسبب ذلك إحترام وتقدير الكثيرين ،وتستحق بالتالي الكتابة عنها ،بهدف الإقتداء بها ،وإعطاء كل ذي حق حقه!
يتميز بيت خالتي "البحراوية"عن بيوت الآخرين بسوره العالي وبكثرة الحيوانات الأليفة والجميلة والنادرة في بيوت الآخرين من مثل :الأوز والحبش والبط والأرانب والدجاج المتعدد اللوان والصناف والماعز،،إلى درجة أنه في غياب أي حديقة للحيوانات في ثاني اكبر محافظة في البلد بعد عمان من حيث السكان ،يتفرد بيت المرحومة بالفضل على طلبة المدارس الصغار بإخراجهم من كتب صور الحيوانات على الورق إلى بيان حقيقة بعضها على الواقع! سيما وأن أطفال المخيم الذين يعانون مثل أهلهم من إكتظاظ رهيب في البشر والعمران معا ،تصبح مخلوقات فناء بيت خالتي المرحومة متنفسا لأبأس به لنفسياتهم وأفقهم المحشور!
وإذا مانظرت نظرة طائر لسور البلوك الجنوبي للمنزل وجدت إبنت المرحومة النشيطة قد زينته ورصفته بقواوؤير الورود والزينة،تزيد عن الثلاثين في وقت لايزيد عرض أي بيت أو نمرة سكنية في المخيم عن عشرة أمتار ،بإعتبار ان مساحة النمرة هي 96م مربع ليس إلأ!!(ضاقت أرض العرب على العرب ياصاحبي!!!)
وإذا مامررت في أي من ساعات الصباح ،تجد خالتي المرحومة تقف شامخة أوجالسة بثقة تؤدي عملا نافعا:فهي إما تشرف على مزروعات حاكورتها أو تُطعم دجاجاتها أو ماعزها أو تراقب فرصة رياضة أوزها وبطها وحبشها وماعزها!أو تتولى إطعام تلك المخلوقات الجميلة!
إلى ذلك تجد في منزل خالتي المرحومة الزعتر والنعنع والميرمية وغيرها من أصناف المزروعات الورقية الخضراء،إلى جانب سلال البيض البلدي(رزق الله على تلك المأكولات!!)،و"سطول" (جمع سطل بالعامية أو دلو) الحليب واللبن والزبدة والشنينة والخاثر(من أنوان الألبان)!!
بإختصار شديد ،كانت المرحومة مدرسة متميزة وتطبيقية في الإنتاج الغذائي قلما نافستها في ذلك إمرأة في زمانها ومكانها!بل هي برأيي: سيدة فاقت عشرات الرجال بل مئات من أولئك العاطلين عن عملهم لكسلهم وحبهم طق الحنك وإدمان السواليف وحرق السجاير وعلب "التنباك"السرطاني ونفث الدخان وتعاطي النميمة أوكتابة التقارير الشفوية أو الخطية بمن سعل أو فتح فاهه أو فيه (إختر المناسب وإفتح هنا ألف قوس!!)
هل كانت المرحومة التي لم تدخل مدرسة، أستاذة بالفطرة ،في التميز بالإقتصاد الإنتاجي والإستقلال الغذائي للوصول إلى سيادة وإرادة حرة ملؤها الكرامة؟أم أنها سبقت احزاب وحركات سياسية عديدة وحكومات عربية "هاملة"أكثر عددا في الإيمان بمعادلة:حيث يوجد الإنتاج الغذائي يوجد الإستقلال الحقيقي؟!وإستقلال الدول من إستقلال أفرادها!! ونحن نرى في كل يوم كيف تُمتهن كرامات العرب في غير دولة عربية،من قوى الغزو ،بسبب كسل حكومات تلك الدول عن قيادة تنمية حقيقية تعتمد على إمكانات ذاتية من مواد وافراد وجهود!!
وكان الكاتب كلما مر من زاوية بيت المرحومة وشاهد سيدته، يقف معها كي يتعلم منها!نعم من دون مجاملة أقول:علمتني خالتي "البحراوية حب الزراعة ،وأذكر أنها أهدتني برميلا فارغا قديما إحتجته لفتحة البئر التي حفرتها في مزرعتي(البئر مؤنث ياصديقي لكن ما هو أصل كلمة برميل؟!)،ذلك أن المرحومة هي شقيقة زوجة إبن عم والدي المرحوم "سليم ذيبان الزبيدي ابو موسى!!(العرب كلهم أبناء عمومة،وآحسرتاه على جهل أولئك الإقليميين والعنصريين والتفريقيين من خدم الغزاة بين ظهرانينا!!).
كانت وفاة المرحومة فرصة لي أن ألتقي لأول مرة للحظات مع ولدها محمود صديقي الذي لم أره منذ عام 1983م !!وفرصة لي ،كي أتأكد ،من جديد أن إمرأة عربية واحدة مثل المرحومة تفوق مئات من ذوي الشوارب القاطنين الشوارع والمقاهي ودواوين طق الحنك!!ومثلهم من حكومات عربية تستجدي الطعام والشراب وخلافه من أعدائها!
وكنت كلما رأيت المرحومة شامخة تقف بعصاها تراقب ثروتها الحيوانية ،عظُم في عيني تراثنا العربي الفذ الذي حفل بمقولات حكيمة في الحث على طلب الرزق والعمل، ولو كانت القيامة قد بدأت! أتذكر معي ،كيف ضرب الفاروق العادل بعصاه، إعرابيا ،دائم الحضور والجلوس في المسجد من دون عمل، قالا له تلك الحكمة الأبدية:"قم خذ فأسك وإحتطب إن السماء لاتمطر ذهبا ولا فضة"أو كما قال رضوان الله عليه ،ذلك العملاق الذي حرر بيت المقدس من شعب "صفرونيوس"، بسلاح الكرامة العربية وعدلها وهيبتها وإستقلالها !!
وأنت اخي العربي،ألا توافقني الرأي، أن صلية رشاش في رأس الرجل ،خير له من أن يمد يده يستجدي من أعدائه وغزاته! إن قلت نعم ووافقتني فأنت من حزب الفاروق ،وإن قلت :لا ،وخالفتني ،فقد تكون من حزب أبي رغال أو العلقمي أو سعد حداد أو انطوان لحد أو من خدم "شوارزكوف"أو "بليمر" ،او "لورنس"أو "أبو حنيك"!! فأختر يارعاك الله قبل فوات الأوان! ثم قبل ذلك وبعده ،إقرأ الفاتحة عن روح المرحومة أستاذة الإقتصاد والإنتاج في ديرتنا ،خالتي وخالتك "آمنة البحراوي"!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق