الصحافيون العرب بين حمل المباخر وضرب الفلقة!
د.ماجد توهان الزبيدي
جامعة فيلادلفيا
قبل إعلان قانون الصحافة العثماني الأول في أرجاء الدولة العثمانية ،زمن
السلطان عبد العزيز عام 1864م ،كانت أمور الصحف والمجلات والمطبوعات الأخرى
المشابهة ومراقبتها وغصدار التعليمات الخاصة بها وباصحابها والعاملين فيها من
إختصاص "نظارتي"(وزارتي) المعارف والداخلية في العاصمة العثمانية
،اللتان كانتا تصدران أوامرهما ب،اللتان كانتا تصدران أوامرهما بغسم "مولانا
السلطان"بإسم "مولانا السلطان"،وينفذها ولاته في المدن الرئيسة من
خلال مراقبي الصحف.
وكانت رقابة الصحف في الولايات العثمانية –ومنها العربية بالطبع- تحت أُمرة
موظف يُدعى "المكتبجي" الذي مهمته مراقبة الأنباء والأخبار التي تُنشرفي
الصحف والمجلات والنشرات العثمانية والعربية ،وإجازتها أو عدم إجازتها حسب مدى فهم
المكتبجي للخبر،أو مزاجه ورأيه، وليس لأي مفهوم آخر!
لكن المثير في الأمر أنه في ضوء تقدم الصحافة والنشر العلمي وتعدد وسائل
الإتصال،وعدالة قوانينها وتشريعاتها في
المجتمعات الأوروبية المجاورة للدولة العثمانية ،،كان من حق وصلاحيات ذلك المكتبجي
العثماني حق معاقبة كل صحافي أو صاحب صحيفة
نشر خبرا لم يعجب حضرة الأفندي المكتبجي!!أو إذا رات حضرته أن المنشور قد يُسيء أو
يُفهم منه أنه قد يسيء،لأي شأن من شؤون
"الدولة العلية"!
ومن أشد أنواع العقوبات التي يفرضها ذلك المكتبجي العثماني المتخلف، على
صاحب أي خبر مُخالف لتعليمات الصحافة والنشر ،عقاب فريد من نوعه في الحضارات
الإنسانية قبل الميلاد وبعده!... إنه عقاب "الفلق"أو
"الفلقة"!!
فقد كان ذلك المتخلف أو ال"أدب سيز"!يمتلك في بيته عدة رسمية
مُسجلة عليه،يورثها للمكتبجي الذي يليه ،هي عدة "الفلقة"! يحملها لبيت
ذلك الصحافي الذي شاء حظه التعس أن ينشر أو تنشر صحبفته خبرا لم يرض عنه ذلك
المتخلف أو شم منه أنه اساء ل"الدولة العلية"!فياخذ بممارسة العقاب بريط
رجلي ذلك الصحافي إلى كرسي في بيته ويجلده "فلقة"أمام ذويه!
وقد نقل مؤرخ الصحافة العربية الأستاذ الصحافي اديب مروة ،في مرجعه القيم
:"الصحافة العربية :نشأتها وتطورها :سجل حافل لتاريخ فن الصحافة العربية
قديما وحديثا"،أن الصحافي العربي اللبناني المرحوم ،سليم سركيس،هو أحد
الصحافيين الذين ضربوا "فلقا"من قبل "مكتبجي" ولاية بيروت
العثمانية ،مما ادخل الرعب والخوف في قلبه وقلوب غيره من صحافيي البلاد إلى درجة
أن ستة عشرة صحيفة لبنانية اغلقت أبوابها وهاجرت مع أصحابها ومحرريها ، للبلاد
المصرية ،التي لم تكن تخضع لسلطة سلاطين بني عثمان ولا لمكتبجييهم!
وقد بات "زميلنا "و"أخونا" المرحوم
سليم سركيس بعد ذلك الفلق أو الفلقة لايقترب من نشر مقالات سياسية قد لا تعجب
"المكتبجي"(ابو ال"أدب سيز")المتخلف او قد لاتعجب سلطانه
الأكثر تخلفا!
ويروي المؤرخ الكبير
"مروة" أنه ذات يوم قام الصحافي ذاته ،المضروب "فلقا"أو
"فلقة" بترجمة قصيدة للشاعر الفرنسي الكبير "الفريد دي موسيه"
وعنوانها :"تذكري"،وارسل القصيدة إلى الرقيب المكتبجي، أبو عدة الفلق
،إياه!فما كان منه سوى رفضها ،وكتب على القصيدة:"تذكري تفكري
"بن"-أي ألف- دفعة هواجس"!
وعلى الرغم من أن قوانين الصحافة العثمانية كانت تتسم بمصطلحات وجمل حضارية
لنيل رضا الدول الأوروبية القوية في مواجهة الدولة المريضة آنذاك ،إلأ أن
التعليمات المشددة التي كانت توزعها عاصمة السلطنة على ولاة الولايات ومكتبجييها
هي التي كانت تنظم عملية النشر وتفرض العقوبات على المخالفات ،وهي تعليمات سرية
يُحظرعلى الصحف نشرها أو تسريبها !
وقد أجمل المؤرخ
"مروة"بعض تلك التعليمات كالتالي:(بتصرف):
"1-تنوير الشعب عن صحة مولانا السلطان الغالية،ثم البحث عن المحصولات
الزراعية،ومن ثم تقدم الصناعة والتجارة في السلطنة...
"2-يحظر على الصحف نشر أي شيء لايقترن بمصادقة صاحب الدولة وزير
المعارف...
"3-يحظر على الصحافي نشر أبحاث مطولة مهما كان نوعها ،ادبية أم فنية
،بحيث لايتسنى للجريدة نشرها مرة واحدة،ولايجوز مطلقا غستعمال
كلمة"يتبع"او غيرها من التعابير التي تدل على ان للبحث صلة...
"4—يُحظر ترك فراغات أو وضع نقاط متتابعة في المقال (...)خوفا من
التشويش والتقولات..
"5-يُحظر الطعن بالشخصيات ،ويجب كتمان أي تهمة سرقة او رشوة او قتل
يقترفها أحد الولاة أو المتصرفين ،بسبب عدم امكانية إثبات صحة التهمة...
"6- يُحظر نشر ظلامة فرد أو أية جماعة من الشعب تُشير إلى سوء تصرفات
موظفي الدولة....
"7-ممنوع بصورة قطعية ذكر كلمة "أرمنستان" وما ماثلها من
الكلمات الجغرافية والتاريخية...(أرض الأرمن)!
"8- يجب أن لايطلع شعبنا الصادق الآمن ،ويُحظر تسريب أي خبر يتعلق
بمحاولات الإغتيال التي قد تقع ضد الملوك في البلاد الأجنبية أو على أية مشاغبة او
مظاهرة يقوم بها المفسدون في تلك الممالك.....
"9- منع نشر هذه "التعليمات"أو التطرق إليها في الصحف كي لا
يستغلها بعض الإنتهازيين!!
بعد أن إنتهت إبنتي علياء (في
الصف الأول الثانوي)من طباعة هذا المقال ،سالتني : هل تحسنت أحوال الصحافيين العرب
بعد هزيمة العثمانيين في الحربين العالميتين،بحيث لم يتعرض أي منهم لإعتقال أو هدر
كرامة ؟وأردفت ثانية سائلة:"وهل إختلفت التشريعات والقوانين العربية بعد
الإستقلال كثيرا عن جذورها العثمانية؟!!
بدوري لم أجب على سؤال علياء لظرف
طارىء ألم بي!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق