تعود بدايات الحركة الأسيرة في فلسطين إلى بدايات الإستعمار البريطاني،وتحديدا للعام 1917م في فلسطين إثر “وعد بلفور” المشؤوم،ففي فترة كفاح العرب الفلسطينيين ضد القوات البريطانية ،تعرض الف ومأتي (1200)مواطن بين قتيل وجريح وأسير، في احداث يوم 23 آب 1929م،حُكم على ثلاثة وعشرين (23)مناضل عربي منهم بالسجن المؤبد وعلى مأئة وسبع وثمانين أسير آخر بأحكام متفاوتة،وتنفيذ حكم الإعدام بحق ثلاثة(3)اسرى منهم في سجن عكا،هم:فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير،مرورا بنفي العديد من المناضلين الفلسطينيين إلى جزر ومستعمرات بريطانيا في جنوب إفريقيا وقبرص (منهم بعض أقارب الكاتب)وغيرهما، خلال الثورة الفلسطينية الكبرى(1936-1939م) وسجن وقتل وأسر المئات طيلة فترة الإحتلال البريطاني لفلسطين (1917-1948م).
ودخل السجون والمعتقلات البريطانية والصهيونية مايقرب من مليون ونصف المليون مناضل فلسطيني،بينما حاليا، وصل عدد الاسرى في السجون والمعتقلات الاسرائيلية ،في شهر آب /اغسطس من العام (2013) ، الى خمسة آلاف وثمان وستين (5068) اسيرا، من ضمنهم مائة واربعة وثلاثين134 اسيرا اداريا، وثلاثة عشر(13) اسيرة، ومائة وخمس وتسعين(195)طفلا اسيرا،ومائة واربع (104)أسرى منهم من تم إعتقاله قبل إتفاقية اوسلو وقيام السلطة الفلسطينية(4أيار/مايو 1994م).
تستخدم دولة الإحتلال مصطلح “معتقلون”او “سجناء أمنيون”بدلا من مصطلح”أسرى”أو “أسرى حرب”كي تتحلل من إلتزاماتها بموجب القوانين والإتفاقيات الدولية الملزمة وخاصة إتفاقييتي جنيف الثالثة والرابعة لعام 1949 وملحقيهما عام 1977م ،ذلك ان دولة الإحتلال لاتعترف أن الأرض الفلسطينية أراض محتلة ،بل هي “متنازع عليها “،و”أرض دون سيادة”،بحجة أن الضفة الغربية لنهر الأردن بما فيها محافظة القدس ،كانت تحت الإدارة الأردنية،وتم إنضمامها للمملكة الأردنية الهاشمية بعد تطورات ونتائج الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948م،وبالتالي ليس لها هوية محددة أو مستقلة ،والأمر نفسه يسري على منطقة لواء أو قطاع غزة ،إذ ترى سلطات الإحتلال السياسية والقانونية والعسكرية أنه أرض تم وضعها تحت وصاية مصرية بعيد العام ذاته1948م!،”ومن ثم_برأي سلطة الإحتلال- يترتب على إنتفاء التواجد الشرعي لكلا من الأردن ومصر على الأراضي الفلسطينية إنتفاء صفة الإحتلال للتواجد الإسرائيلي على هذه الأراضي”كما لخصت مؤسسة “الحق”القانونية الفلسطينية غير الحكومية ،موقف سلطة الإحتلال من المسألة،وهو أمر فندته ثم رفضته المنظمات القانونية والسياسية العالمية والإقليمية غير الحكومية والحكومية على حد سواء.
وبهدف التحايل على القانون الدولي وإتفاقياته بخصوص معاملة أسرى الحرب ،تستخدم السلطة القائمة بالإحتلال في فلسطين مصطلحا غريبا هو:”اسير أمني”،كي تتهرب من معاملة أفراد المنظمات العسكرية الفلسطينية كاسرى حرب ،مثلهم مثل جنود الجيوش النظامية.
وهناك مصطلح آخر هو “المقاتلون غير القانونيين”،”إذ يُرتب “قانون سجن المقاتلين غير القانونيين” من العام 2002 السجن بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين الذين يقاتلون ضد إسرائيل ولا يحظون من ناحية “القانون الدولي الإنساني” بمكانة أسرى حرب. ويحدد القانون بأن “المقاتل غير القانوني” هو” كل إنسان يشارك في العمليات العدائية ضد إسرائيل، ولو بصورة غير مباشرة”، وكذلك “كل إنسان ينتسب إلى قوة مقاتلة ضد إسرائيل”،وفق تقارير مركز “بتسليم”الحقوقي الإسرائيلي،الذي تتصف تقاريره بالنزاهة والشفافية في تغطيته لواقع الأسرى العرب والفلسطينييتن في معتقلات السلطة القائمة بالإحتلال في فلسطين وهضبة الجولان السورية.
على اساس هذا الراي لسلطة الإحتلال ،لاتقر حكومات العدو المتعاقبة بالمسؤوليات والواجبات القانونية التي يوجبها ويفرضها “القانون الدولي الإنساني” على سلطات الإحتلال،وترفض تلك الحكومات تطبيق إتفاقية جنيف الثالثة التي تعامل أسرى أي إقليم تم إحتلاله من قوة عسكرية غريبة، كأسرى حرب، لهم حقوق وواجبات مُعترف بها من الأمم والشعوب المتمدنة ،ومنظمات المجتمع العالمي،ثم هي ترفض ،ايضا، تطبيق “إتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين” إبان الحروب والنزاعات المسلحة،وأولئك الذين هم تحت سلطة إحتلال عسكري، التي تقر بواجب أية سلطة إحتلال لأي إقليم ،معاملة مدنييه وفق قواعد ومعايير إنسانية وقانونية مُلزمة تُحرم إعتقالهم أو تعذيبهم أو تجويعهم او إرهابهم أو التدخل في شؤون حياتهم .
وتوثق المؤسسات القانونية الفلسطينية غير الحكومية في فلسطين ثلاثة قوانين مختلفة أصدرتها السلطة القائمة بالإحتلال في فلسطين ،تتيح لها، الاحتفاظ بالفلسطينيين في الاعتقال الإداري:
(1)- البنود 294-284 من الأمر الخاص بتعليمات الأمن (في الضفة الغربية المحتلة) (رقم 1651)، 5770(السنة العبرية) – 2009م، وهو جزء من التشريعات العسكرية السارية في الضفة الغربية. يتم احتجاز معظم المعتقلين الإداريين استنادا إلى أوامر اعتقال فردية يتم إصدارها استنادا إلى هذا الأمر.
(2)- قانون الصلاحيات الخاص بالطوارئ (اعتقالات) الساري في إسرائيل، الذي استبدل الاعتقال الإداري الذي كان ساريا في أنظمة الطوارئ من فترة الانتداب البريطاني. يتم التحفظ على مواطنين من سكان المناطق الفلسطينية المحتلة استنادا إلى هذا القانون فقط في حالات نادرة.
(3)- قانون سجن المقاتلين غير القانونيين الذي سرى مفعوله في العام 2002. وقد كان القانون يهدف بالأصل إلى التمكن من التحفظ على لبنانيين كانوا مسجونين في ذلك الوقت في إسرائيل كـ”ورقة مساومة” لغرض استعادة أسرى وجثامين. أما اليوم فإن إسرائيل تستعمل القانون من أجل اعتقال فلسطينيين من سكان قطاع غزة بدون تقديمهم للمحاكمة، وذلك رغم انه تم الغاء التشريعات العسكرية بخصوص قطاع غزة مع تطبيق خطة “الانفصال” في شهر أيلول 2005.
وعليه ،فإنه في ضوء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19 في اجتماعها السابع والستين في 29 تشرين الثاني نوفمبر 2012م ،الذي إرتقى بمرتبة فلسطين من كيان غير عضو إلى دولةمراقب غير عضو بتأييد القرار من 138 دولة، ومعارضة 9 دول، وامتناع41دولة عن التصويت ،وتغيبت خمس ،مما أوجد قانونيا صفة جديدة لفلسطين تتيح لها إمكانية الانضمام لمنظمات دولية مهمة مثل المحكمة الجنائية الدولية،ومن ثم” الحق في رفع شكاوى ودعاوى ضد إسرائيل في المحكمة الدولية في لاهاي”(على حد تعبير ممثل الاتحاد الروسي في الأمم المتحدة” فيتالي تشوركين”).
وكان من النتائج المباشرة للقرار الأممي سالف الذكر اعتراف منظمة اليونسكو ،بفلسطين دولةً بعضوية كاملة، تلا ذلك ممارسة فلسطين حقها في التصويت لأول مرة بموجب صلاحياتها الجديدة في الأمم المتحدة في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، لانتخاب أحد قضاة محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة.
وهذا يعني حق السلطة الفلسطينية،بالإنضمام لإتفاقيات جنيف لعام 1949م، وبروتوكليها الإضافيين لعام 1977م،بعد ان إعترفت السلطة ذاتها ب”ميثاق روما” المؤسس ل”لمحكمة الجنائية الدولية” ،مما يتيح للمؤسسات الفلسطينية قانونيا، مقاضاة الأشخاص الذين يعملون في السجون الإسرائيلية،والمسؤولين السياسييين والعسكريين عنهم في محاكم وقضاء مائة وإحدى وعشرين دولة(121)، في العالم ،وهي أطراف في ميثاق روما الخاص ب”المحكمة الجنائية الدولية”،مما يعني أن كل دولة من تلك الدول مُلزمة بإعتقال أي مسؤول إسرائيلي مُتهم بقتل او تعذيب أو إعتقال اي أسير فلسطيني،حال سفر ذلك المتهم لأي من تلك الدول ،فضلا عن إمكانية التقدم لقضاء سبع وأربعين دولة ياخذ قضائها بالإختصاص العالمي في قبول اي دعوة ترفع امامه ضد اي مجرم حرب إرتكب اية جريمة قي أي مكان من العالم ،إذ رأينا كيف فر العديد من المسؤولين السياسيين والعسكريين الصهاينة من بريطانيا وبلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية والإسكندنافية،بمجرد رفع بعض ذوي الضحايا الفلسطينيين دعوات أمام محاكم تلك الدول،وهو أمر يجب أن تلاحظه جامعة الدول العربية وأجهزتها ومؤسسات القانون والقضاء العربية الرسمية وغير الرسمية،وروابط القانونيين والمحامين العرب ،والعمل على تمويل ودعم الدعاوى من قبل ضحايا القتل والسجن والتعذيب من العرب على يد مؤسسات وأشخاص السلطة القائمة بالإحتلال في فلسطين المحتلة وهضبة الجولان العربية السورية . mzubidi@philadelphia.edu.jo * أستاذ جامعي ومحامي *
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق