عمتي وجارها ابو رشيدة وياعنيد يايابه!
د . ماجد توهان الزبيدي
Tweet
2/12/2015 9:07:50 AM
رواية شاهد العيان:د.ماجد توهان الزبيدي
زرت عمتي أم سالم في بيتها في حي الإسكان- المخصص للفقراء والبالغة مساحة كل وحدة سكنية 96مترا مربعا بما فيها الساحة والتهوية أو الإرتداد - ،وذلك قبيل تقديم الإمتحانات النهائية للفصل الدراسي الأخير من بكالوريوس القانون ،طمعا في رضاها ودعائها،لكنني تمنيت لو زرتها في غير أيام العطلة!
فقد شكت لي المسكينة من أذى جارها المدعو ابو رشيدة ،أو "نص نصيص"كما تسميه عمتي أم سالم!والذي يقلق راحتها وجيرانها من صوت مسجله من الصباح حتى منتصف الليل في أيام الخميس والجمعة من كل اسبوع!عندما يأتي المذكور أعلاه وأدناه،من مكان عمله في شركة الملح والبوتاس والرمل من جنوب البلاد!
قلت لعمتي:هل هذا الصوت العالي من "نص نصيص"أم عندكم في الحارة حفلة عرس؟
ردت المسكينة:ياريت يادكتور لو أنه عرس!هذا صوت مسجل "النص نصيص ابو رشيدة"!
قلت:ياعمتي!هيا معا نزور الرجل ونشرح له خطأ سلوكه في إزعاج الجيران والآخرين؟!
ضحكت عمتي وهزت رأسها قائلة:ياتكتور!ياولد أخوي!الحكي مش مثل الشوف !الزلمة حيطة!لوح !لايرد ولايصد! لايفهم قانون ولا" تستور"(دستور)،واحد خريج "حبوس"(سجون)! وجه مثل خارطة اليمن!
بدوري ضحكت وقهقهت عاليا قائلا:من وين تعرفي خارطة اليمن ياعمتي؟
ردت ام سالم:ياعموه من كثرة الأخبار هسه(الآن)عن اليمن ..وين ماتفتح محطات ياتلاقي ذيايح في شوارع سوريا او العراق او مظاهرات في اليمن وهروب الحكومة !!والله انا مرتاحة لخطابات ابو بدر الدين!
-من ابو بدر الدين ياعمة؟
- هاظا(هذا) الشاب ابو حطة على كتفه اللي يحكي حكي عقال،وبده كرامة اليمن ووحدتها،بس انا شايفه إنه دول كثيرة مابدها الراحة لليمن!!
-ياعمتي بعدين نحلل معا قضية اليمن ،هسه قومي نزور جارك يمكن نقنعه بوقف سلوكه!واللي مايجود لك يمكن يجود لغيرك ياعمتي!
نهضت المسكينة ونهضت معها مسبحتها ام الألف حبة وحبة من صناعة الصين –التي يصفها شيوخنا ببلاد الإلحاد، أعوذ بالله – وهي تهمهم ب:"ياطايل الدبس من حلقة النمس"(الحلقة بكسر الحاء واللام تعني بلهجة كثير من عشائرنا :مؤخرة الإنسان،او بتعبير أكثر ثقافة:خلفيته الثقافية!او بلهجة نسايبنا العراقيين:القفة مالته)!!
طرقت باب ابو رشيدة مرتين وثلاث دون جدوىثم ضغطت على الجرس مرات عديدة دون جدوى أيضا،فهو فاتح المسجل على الآخير !مما حدا بعمتي أم سالم أن تتجه لشباك مطبخ "نص نصيص"وتطرقه بعود من غصن زيتونة ،فأنتبهت حرمه المصون "أم رشيدة"!
فتح لنا ابو رشيدة الباب ورحب وهلل ونادى على قرينته ب:"ياحرمه هات كرسيين وإعملي بريق شاي مع ميرميه"!
كان جار عمتي ابو رشيدة يجلس في فناء بيته رافعا رجليه على حائط ولابسا سروالا قصيرا،يُناسب ولدا في الصف الخامس او السادس الأساسي ،فهو (ابو رشيدة ماغيره)لايزيد طوله عن متر ونصف المتر ، وينتعل حفاية بلاستيك ،وبجانبه ركوة قهوة أم النصف كيلو غرام وعلبتين سجائر ماركة" أل أم أحمر"! ويزين وجهه خطوط غائرة متعرجه ،بعضها مستقيم، وبعضها مائل، يبتدىء من طرف العين وينتهي أسفل الذقن!ومثلها في الرقبة الخلفية وفي صباحه! يعني زلمة عجيب غريب ،شكل وجهه مُخيف للحوامل والرضع والأطفال وطلبة جامعات اليوم !
وقد ذكرتني الخطوط الغائرة في كل أنحاء وجه ورأس وصباح ورقبة الأستاذ ابو رشيدة، بالوشم الناري المحفور في طرف خد أكثر من دكتور عربي سوداني ممن درسني في مرحلة البكالوريوس الأول ،أذكر منهم :د.فتح الباب سيد علي ،و د.سر الختم محمد خليفة الميرغني ،و د.تاج السر شرف الدين عصمان،وكل واحد منهم "زول" محترم عميق الثقافة أيام كانت جامعتي الخرطوم أو أم درمان على مستوى جامعتي "كامبردج"أو"أكسفورد"،قبل أن تتحول جامعات ذلك البلد الشقيق الى حالتها الراهنة،كما شاهدنا بعض صورها في مقال منشور على موقع سواليف
سواليف : وقائع مناقشة دكتوراة "الزول" محمود المريعي في وادي اليابس ...
www.sawaleif.com/Details.aspx?DetailsId=99461
لكن وشم السودانيين كان للدلالة على قبيلة كل موشوم وليس كخارطة الوشم في كل المنطقة العلوية من جار عمتي أبو رشيدة بالتأكيد!
ولما كنت لا أطيق شم رائحة الدخان ولا صوت الأغاني العربية الشعبية الصاخبة فاقدة المعاني والذوق التي( يُطرب!!) بها ابو رشيدة سكان الحي ،فقد دخلت في الموضوع مباشرة،قائلا لجار عمتي:
فرصة سعبدة ياجار عمتي!أنا ابن شقيق ام سالم !اعمل بالجامعة و.....قاطعني "نص نصيص" قائلا:"ياهلا والله بالدكتور ..انا اسمع عنك كل خير"!
أكملت :"ياخوي يابو رشيدة من حقك ان تفرح وتمرح في حدود بيتك !لكن ام سالم وكثير من جيرانها ينزعجون من صوت مسجلك ،خاصة في الليل!وانت سيد العارفين ان حرية أحدنا تقف عندما تبدأ حرية الآخرين،وأنه لاضر ولاضرار،وانت لاشك أكثر مني دراية بالتلوث الضوضائي!!
صك ابو رشيدة على أسنانه ،وتغامزت عيناه كثيرا ،وإنطبقت شفتاه ،دلالة على عدم الرضا ،ثم صرح – لافض فوه-:"إسمع يادكتور!إحنا مش في السويد أو سويسرا!وثانيا أنا أعيش في ابو التلوث في جبال من الملح والبوتاس والرمل من اللي ذكرتها انت قبل شويه !لكن أنا مش ماسك طبلة وقاعد أطبل عند رأس عمتك أم سالم والجيران!أنا أطرب وأُطرب الحي بأغاني خالدة جميلة مثل:"يابو رشيدة قلبنا اليوم مجروح"و"ياعنيد يايابه"..إسمع يادكتور،مطربنا الكبير المرحوم أخو نوره شو يقول:" "نزلن على البستان يا عنيّد يا يابه و الله و حلّن شعرهن، كل البنات نجوم يا عنيدي يا يابه، يمّه و هيَ قمرهن .. عيني و مي عيني .. يا عنيّد يا يابا، تسوى هلي و كل القرابه ،ياعنيد يايابه"!
ولما رأى ابو رشيدة رجلي تتراقصان مع أنغام المرحوم عبده موسى ،تجرأ وأضاف:"يادكتور بالله عليك شو رأيك بالمقطع التالي:"لوحي بطرف المنديل مشنشل برباع يم رموش الطويله وعيون وساع "الله يرحم مطربنا توفيق النمري يادكتور !وبعدين يادكتور وين تسمع احسن من مطربنا الشاب عمورة لما يقول :(ضغط على المسجل ،فإذا به (بالمسجل وليس بنص نصيص العرص)يشدو:" يم التنورة الحمرة الخضرة الصفرة الزرقا البيضة السوده الحلوة اللماعه ردي علي بلا دلاعه "!
وأضاف جار عمتي (اللهم إجعله أصم أبكم يارب):"إحنا يادكتور لازم نشجع أغانينا الوطنية والموسيقى البدوية مثل الربابة والقربة واليرغول والمجوز والشبابة!
رددت على الزلمة الحيط او اللوح على وصف عمتي:"صحيح والنعم منك ومن أغانينا الوطنية ،لكن إحنا جايين عندك علشان تتكرم علينا بتخفيض صوت المسجل على قدر سماعك ياأستاذ ابو رشيدة!
تبسم ابو رشيدة ثم أخذ يقهقه ،ضاربا كفا بكف،ثم تشدق (الله يقصف سمعه):"هاي قديمة دكتور!إلعب غيرها دكتور!أنا يادكتور مش "طنط"حتى أحط سماعات على أذني!أصلا الطرب إذا ماكان بصوت عالي مش طرب!أنا ابو رشيدة صاحب تاريخ طويل أنت يادكتور لاتعرفه"!!!
أدركت أنني أنفث في قربة مثقوبة ،أو أعزف على ربابة وترها من خيوط بلاستيكية! وأن قوانين سويسرا لاتصلح لبيئة ابو رشيدة!خاصة القانون الجديد بمنع سحب "سيفون"الحمام بعد الساعة العاشرة مساءا في البنايات السكنية!
إستأذنت من جار عمتي اللوح أو الحيط ابو رشيدة وقلت له عند الباب:"أخوي ابو رشيدة لا تبخل علينا بأغانينا الوطنية الأصيلة ،خاصة :"ياعنيد يايابه"و"ثلاث غزلان بعيني"و"هاي سيارتك ياعيوني وأنا عرفتها من النمرة"و"ياأم التنورة اللماعه"وكرر لي كلما رأيتني عند عمتي أم سالم ،أغنية "أبوها ما ينطيها رحت ادور نصيبي وتقلي لا تتركني أنا بعرضك حبيبي ع هالشقرة الطويلة لبس العرب شو لايق"!! ولاتنسى ماتيسر من أغاني المطرب العالمي فرج قداح !!بخاطرك عمي ابو رشيدة ..دق عليها دق ..و"لز "عليها "لز"!!والرأس اللي مافيه طرب قطعه حلال يابو رشيدة، قلبنا اليوم مجروح
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق