MAR 22, 2015
د. ماجد توهان الزبيدي:
حماية المدنيين إبان الحروب في القانون الدولي!
majed-zoubadi.jpg777
د. ماجد توهان الزبيدي
مدخل تعريفي:
في ظل موجة “محاربة الإرهاب”في منطقتنا ،عقب هجمات الحادي عشر من أيلول-سبتمبر عام 2001م ،على أهداف إقتصادية اميركية،تمادت قوى دولية وإقليمية وقطرية في سفك دماء عشرات الآلاف من المواطنين العرب وغير العرب المدنيين، الذين ليس لهم من علاقة، بالكفاح المشروع وغير المشروع على السواء.
وقد ساهم ذلك التمادي المُدان قانونيا ،في تقليده ، من طرف جيوش أنظمة عربية وغير عربية، ومجموعات مسلحة معارضة، في مجازر غير مسبوقة في التاريخ البشري من حيث شدة بطشها وهولها ودمويتها وعدد ضحاياها المدنيين،والأعيان المدنية التي سويت بالأرض على رؤوس قاطنيها من الأبرياء،وهي مجازر ،لم تزل جارية على قدم وساق،في أكثر من مكان في وطننا العربي ،وكأن البشرية في زماننا المُعاش لاتخضع لقوانين إنسانية أو أعراف وقواعد عادلة للحروب والمنازعات المسلحة ،وإتفاقيات دولية مُلزمة لحماية المدنيين !
وقد أستخدمت أعتى اسلحة الدمار الحديثة في قتل وجرح عشرات الآلاف من المدنيين ومثلها من أعيانهم المدنية والثقافية والإقتصادية والدينية التي حرمت إتفاقية لاهاي عام 1907م وإتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة عام 1949م ،وملحقها أو برتوكولها الإضافي لعام 1977م ،المساس بها،تحت طائلة المسائلة الجنائية الدولية !
وقد أستخدمت لأول مرة في التاريخ العسكري طائرات حديثة من دون طيار،وأخرى نفاثة وعامودية،وصواريخ وقاذفات ذات قدرة تدميرية قصوى، في قصف تجمعات مدنية ،بحجة ملاحقة أفراد من تنظيمات أصولية ،في أكثر من بلد عربي وآسيوي وإفريقي ،وكأن قتل الآلاف من المدنيين الأبرياء من أمم هذه المناطق لايعني شيئا لمؤسسات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية!في حين تُشكل محاكم دولية مُكلفة ماليا ،وقد تُذهب بوحدة وطن أو أوطان ،عند إغتيال شخص واحد !
والسؤال هنا:هل هناك حماية دولية للمدنيين في الحروب والنزاعات العسكرية؟وماهي الإتفاقيات العالمية الملزمة في شأن تلك الحماية؟وماهي الفئات المحمية من المدنيين والأعيان المدنية؟وماهي الإحتياطات الملزمة والواجب إتخاذها تحت طائلة المسؤولية، من طرف المخططين والمنفذين العسكريين أثناء سير المعارك والحروب بخصوص خطط وسير العمليات بما يهدف لتجنب المدنيين تأثيرات تلك الحروب؟
يحاول المقال التالي تأسيس وعي عام في مسألة تجنب المدنيين ويلات كوارث الحروب والنزاعات ومآسيها التدميرية الهائلة للأرواح والأجساد والممتلكات،من خلال بيان الإتفاقيات الدولية الملزمة بحماية المدنيين إبان الحروب.
في العصر الحديث وتحديدا بين عامي 1899م و1907 عقد مؤتمران دوليان في مدينة”لاهاي”الهولندية Hague)،وضعا قواعد خاصة للإحتلال الحربي تم إدراجها في بنود الإتفاقية الخاصة بإحترام قوانين وأعراف الحرب البرية ،واللائحة الملحقة بها،وهي إتفاقية ماتزال “من ابرز المصادر التعاقدية للقانون الدولي الإنساني،الموجهة لحماية المدنيين”،إذ أن القانون الدولي الإنساني ذاته هو فرع من القانون الدولي ،عرفته” اللجنة الدولية للصليب الأحمر”ICRC)) بأنه “مجموعة القواعد الدولية الموضوعة بمقتضى معاهدات أو أعراف، والمخصصة بالتحديد لحل المشاكل ذات الصفة الإنسانية الناجمة مباشرة عن المنازعات المسلحة الدولية أو غير الدولية، والتي تحد – لاعتبارات إنسانية- من حق أطراف النزاع في اللجوء إلى ما يختارونه من أساليب أو وسائل للقتال، وتحمي الأشخاص والممتلكات”.
*الإتفاقيات الدولية المُلزمة بحماية المدنيين:
لكن تطور الحروب والنزاعات المسلحة وهلاك الآلاف من المدنيين في حروب عالمية وإقليمية فضلا عن زيادة عدد دول العالم المستقلة وإنحسار الإحتلال وتخلف بعض مواد إتفاقيات ماقبل النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي ،وخاصة عدم توضيح الإلتزامات القانونية على القوى القائمة بالإحتلال على أرض وشعوب الغير،تنادت القوى المتحضرة في قارات العالم،لصياغة إتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م الخاصة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة،والمدنيين تحت نير القوى القائمة بالإحتلال ،لتلافي النقص والعيوب في الإتفاقيات التي سبقتها ،ثم في العام 1977م ،تم إضافة البروتوكول /الملحق الإضافي لتلك الإتفاقية الرابعة ،وإشتماله على ،مجموعة جديدة من الحقوق للمدنيين أثناء الحروب والنزاعات المسلحة،وخاصة لبعض الفئات الخاصة،وإشتماله على المزيد من آليات التنفيذ الجديدة ،التي في مقدمها:” إبتكار اللجنة الدولية لتقصي الحقائق”.
كانت إتفاقية حماية المدنيين العالمية هي الرابعة التي صاغتها “اللجنة الدولية للصليب الأحمر”،وهي الإتفاقية الرابعة من “إتفاقيات جنيف “بعد الإتفاقيات التالية:
1- إتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان،المؤرخة في 12 آب 1949.
2-إتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى ومرضى وغرق وغرقى القوات المسلحة في البحار،12 آب 1949م.
3-إتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب ،12 آب 1949م.
وقد جاءت إتفاقيات جنيف السالفة الذكر، كصيغ “منقحة للإتفاقيات الثلاث السابقة على هذه الإتفاقيات (إتفاقية جنيف لعام 1929م لتحسين حال الجرحى والمرضى بالجيوش في الميدان ،وإتفاقية لاهاي العاشرة لعام 1907م بشأن تطبيق مبادىء إتفاقية جنيف لعام 1906م على الحرب البحرية،وإتفاقية عام 1929 بشأن معاملة أسرى الحرب ).
*الفئات المدنية المحمية:
المدني وفق الملحق الأول لإتفاقيات جنيف هو أي شخص لاينتمي إلى الفئات الواردة في المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب،وهم على وجه التحديد العناصر التي لاتنتمي إلى الفئات التالية:
1-أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع،والمليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءا من هذه القوات المسلحة،
2-أفراد المليشيا الأخرى ولوحدات المتطوعة الأخرى،بما فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة،الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ….،
3-أفرا د القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة او سلطة لاتعترف بها الدولة الحاجزة،
4-سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند إقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية ،شريطة أن يحملوا السلاح جهرا وان يراعوا قوانين الحرب وعاداتها
ورأت إتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين أنه”إذا ثار الشك ما إذا كان شخص ما مدنيا أم غير مدني ،فإن ذلك الشخص يعد مدنيا،وفق المادة (50)من الملحق الأول لإتفاقيات جنيف،الذي اضاف في المادة إياها أنه “يندرج في السكان المدنيين كافة الأشخاص المدنيين،ولا يجوز تجريد السكان المدنيين من صفتهم المدنية وجود أفراد بينهم لا يسري عليهم تعريف المدنيين “.
*الهجمات العشوائية على المدنيين:
أكدت المادة (51) من الملحق ،حظر الهجمات العشوائية ضد المدنيين وعرفتها أنها”تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد،أو:تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجه إلى هدف عسكري محدد”او “التي تصيب دون تمييز الهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنية” (مؤسسات ومباني الشعب غير العسكرية).
وإعتبرت المادة ذاتها من الملحق الأول لإتفاقيات جنيف ،الهجمات العشوائية كالتالي:
“1-الهجوم قصفا بالقنابل أيا كانت الطرق والوسائل،الذي يعالج عددا من الأهداف العسكرية الواضحة التباعد والتميز بعضها عن البعض الآخر والواقعة في مدينة أو بلدة أو قرية او منطقة أخرى تضم تركزا من المدنيين أو الأعيان المدنية ،على أنها هدف عسكري واحد،
“2-والهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في ارواح المدنيين أو إصابة بهم،أو أضرارا بالأعيان المدنية،او ان يحدث خلطا من هذه الخسائر والأضرار،يفرط في تجاوز ما ينتظر ان يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة”
وحظرت المادة الحادية والخمسون ذاتها “هجمات الردع ضد السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين”،وكذلك لم تجز وضع السكان المدنيين كدروع بشرية لحماية نقاط او مناطق معينة ضد العمليات العسكرية ،خاصة “درء الهجوم عن الهداف العسكرية أو تغطية أو تحييد أو إعاقة العمليات العسكرية”.
*مستشار علمي للأمم المتحدة في غزة سابقا،أستاذ جامعي ومحامي حاليا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق