شيخ "داعس والغبراء"والدهن في العتاقي"!
د . ماجد توهان الزبيدي
ما إن دخلت المكتب الصغير المجاور لمكتبي لتناول لقمة الإفطار تمهيدا ل"بلع"الدواء،حتى طرقت السكرتيرة الباب علي قائلة:"ثمة شيخ يريد مقابلتك"!
نهضت فورا قبل لمس اللقمة الأولى أو "كباية"الشاي!بعد مضي ثلاث ساعات متواصلة من العمل الصباحي،فإذا بي أمام شيخ كهل ذو لحية كثيفة!ويرتدي دشداشة فوقها "جاكيت" طويل وحطة حمراء!فحسبته لأول وهلة من اتباع تنظيم "داعس والغبراء"في بلاد الشام والهلال الخصيب واخواته من التنظيمات المشابهة التي تتكاثر بين ظهرانينا كالجراثيم (من حيث العدد)، حسبته من التائبين العائدين لعقولهم وإسلامهم السمح الصحيح البعيد عن الأذى والقتل وجز الرؤوس وتزوير الإستشهاد أو إستبداله بالإنتحار!!قلت :حسبته بمعنى الظن وليس التأكيد او التحقيق يارعاك الله!
لكنني للحظة تراجعت عن ذلك الظن لظن آخر مفاده أن الشيخ الواقف أمامي قد يكون طالب صدقة!وهو ظن أيضا وليس بتحقيق أو جزم وذلك لكثرة الأوراق التي بين يديه مثل مئات من امثاله نراهم في الطرقات والمؤسسات والمساجد والأسواق يطلبون صدقات او تبرعات لبناء مساجد أو لرعاية أيتام1وهو ماذكرني بجار لي من نصف قرن له ثلاثة رواتب وبقالتين ومهنتين وعمارة ادمن تابط سجادة صلاة ويصلي كل جمعة في مسجد بعيد عن قريتنا ويغطي رأسه ووجهه بكوفية ثم ينهي صلاته سريعا ليقف على باب المسجد مُفترشا سجادتة وصارخا:"لله يامحسنين !أخوكم مقطوع !!من اليمن"!
هنا تذكرت مقطع من أغانينا الوطنية يقول:"عيني على اللي جانا بالعباه والقظاه..ياسائل علينا الأجواد حنا النبع والحياه"لكنني لم املك سوى الترحيب بالشيخ الذي يفوق السبعين ربيعا!واجلسته في مكتب السكرتيرة المرتجفة التي يصدق عليها القول:"جاءك الموت ياتارك الصلاة"!مع أنها المسكينة تُصلي الظهر والعصر أثناء الدوام(ولو أنها تتأخر "شوية" في كل صلاة!!)
المهم في الأمر فغرت "فاهي" ك"الهبيلة"وأنا استمع للشيخ:"أنا المهندس محمود محمد شاكر طقاطقة..خريج جامعة افسكندرية عام 1967م ورقمي 356 في نقابة المهندسين بينما رقم دولة المهندس علي ابو الراغب 357 (دير بالك ياخوي يااحمد الزعبي من دعوى ثانية!!)!!
قلت كالمعتوه:"أنت مهندس؟!
رد الشيخ :"نعم يادكتور!انا مؤلف كتابين في الرياضيات !ومكتشف قوانين جديدة!وهذا كتابي الجديد لعلكم تشترون منه نسخة أو نسختين!
اخذت الكتاب وأنا في ذهول تام!عنوانه:"نظريات وقوانين جديدة:القاعدة الذهبية في القطع المكافىء والمنحنيات كثيرة الحدود:المثلث- الدائرة-المضلعات-الخط المستقيم-الشكال الرباعية"!141 صفحة من القطع الكبير ونشر دار جليس الزمان في عمان!
في مقدمة الكتاب صور حقيقية لكتب رسمية بعضها صادر من الجامعة الردنية وبعضها الاخر من جامعة اليرموك بتوقيع الأستاذ الدكتور عبدالله الموسى ،وكلها تفيد بصحة النظريات التي توصل لها شيخ "داعس والغبراء" إياه ماغيره !الذي ادخل الرعب غلى قلب سكرتيرتي وعقلها في حين عجزت أنا عن ذلك، الأمر الذي جعلني افكر في إرتداء زيه التقليدي أو زي امراء إمارات :الرقة ودير الزور والفلوجة على طريقة شيخنا الكبير قلب الدين حكمتيار وصحبه الطيب من كابل لوزيرستان !لعلني أدخل الرعب في قلب السكرتيرة من أجل عمل "كاريزما" لحضرتنا أمام القوارير!(ياخوي تمني وليس حقيقة!وينك ياكاتب التقارير تمهل قليلا في المعاني:أنا قلت:لعلني!!)
قلت للرجل المعجزة:ممكن سيدي الشيخ بطاقة التعريف بحضرتكم!اقصد هوية الأحوال المدنية"!
قال الرجل العالم:ذلك من حقك!
تاسفت بيني وبين نفسي لطلبي السابق وأدركت أنني تعلمت اليوم درسا قاسيا في الحياة ملخصه صدق القول:"ربَّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" !فربما تشاهد عشرات الرجال ممن يلبسون أغلى واثمن البذلات والربطات ويمتطون السيارات الفارهة ويسكنون العمارات والشقق المبنية من حجر ورخام وقرميد ويملكون ملايين الدولارات ،لكنك غن جالسته لدقائق فقد تندم على طرح السلام عليهم!كانهم نسخة من ذلك الرجل المهيب لباسا وجسدا أقبل ذات يوم على افمام الأعظم ابو حنيفة النعمان خلال درس له مادا قدميه،وما ان رىه حتى أرجع قدميه واخذ هيئة الحذر والتربص،ظنا منه أن القادم من علية القوم!
طرح الرجل المهيب اسئلته على افمام قائلا:"من اين تطلع الشمس واين تغيب؟ ،فأجاب الإمام :من الشرق وتغيب في الغروب!فرد الرجل بكل جدية:"وغذا لم تغب الشمس"؟عندها مد افمام قدميه على راحتهما قائلا:"لمثل هذا يمد ابو حنيفه قدميه"ّ!
اخذت الشيخ المهندس مخترع القوانين والنظريات الجديدة إلى مكان الإفطار وتشاركنا معا في تناول الفول الصيني والزعتر من جنين(أهدته لي الزميلة الدكتورة سلوى العمد خريجة جامعة كامبردج)والزيت من عجلون والشاي السيلاني ماركة الغزالين من بلاد الهند مع رغيفي خبز مشروح من مخابز بلدة الحصن و"كبايتي" شاي(زنة نصف لتر) بالسكر الزيادة على طريقة نسايبي العراقيينLالجاي اللي مايقعد الرأس موجاي عيني)!أو على طريقة نسايبي م كل المنابت والأصول :"سبع الشاي اللي مايدبج على البراطم"(آخ ياخوي لو تشوف براطم قراباتي في الغور )!!ثم هاتفت موظف التزويد السيد سامي غنيم ابو حسين طالبا منه تجهيز مبلغ ثمن ثلاث نسخ من كتاب الشيخ وتسليمها له نقدا،بعد ان إطمانت السكرتيرة للرجل وعاد لها صفاء وجهها من بعد صفار وزرقة!قائلا لها:"الدهن في العتاقي يابنت"!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق